المأساة النفسية والجسدية التى تعيشها المرأة المختنة مثل الجمرة تحت التراب | د. نوال السعداوي

المأساة النفسية والجسدية التى تعيشها المرأة المختنة مثل الجمرة تحت التراب

د. نوال السعداوي

 

عرفت باحساسى الفطرى ،  ثم فى كلية الطب ، أن المشرط يجب ألا يقطع من الجسم الا الجزء المريض . أما الأجزاء السليمة ، لماذا نقطعها ؟. 

فى كلية الطب ، لم ندرس شيئا عن ختان الذكور أو ختان الاناث ، لكننا فقط تدربنا على اجراء هذه العمليات فى قسم الجراحة ، حينما اشتغلنا أطباء امتياز أو نوابا فى قصر العينى . 

فى الستينات من القرن الماضى ، كنت عضوة فى مجلس نقابة الأطباء ، وفى احدى الجلسات طلبت التدخل لمنع الختان فى مصر ، للاناث والذكور . ورفض الطلب بالأغلبية ، وعلى رأسهم وزير الصحة .

قال معظم الأطباء أن ختان الذكور ضرورى للصحة والنظافة والشكل أيضا . انها عملية طهارة رقيقة مجرد تقليم أطراف مثل تقليم الأظافر ، ولا تؤثر على وظيفة العضو . وقال بعضهم أنها عادة صحية قديمة جدا ، وبالتالى جاءت فى التوراة ، ونحن المسلمين نؤمن بالتوراة والانجيل والقرآن . هكذا أغلق الموضوع عن ختان الذكور . وبالنسبة الى ختان الاناث ، رفض الأطباء حتى مجرد القاش حوله . قال الأطباء أن ختان الأنثى للنظافة 

والطهارة ، وفائدته أنه يجمح الطاقة الجنسية للمرأة ، فلا تنصرف الى اشباعها على حساب مصلحة الزوج ، وفى هذا اعتداء صارخ على الفضيلة والأخلاق القويمة . 

كتبت عن مآسى الختان ، وتعرضت لكل أنواع الهجوم والادانات والاتهامات . قالوا أننى ضد الدين وضد الأخلاق وضد الأسرة وضد الهوية ، وأدعو الى الفسق ، ويجب التخلص منى ، بعد أن أعلنوا تكفيرى . وقال أشهر الدعاة المدعم من الحكومة ، أننى مرتدة وأعمل لحساب الشيطان . وقال أن ختان الأنثى يحفظ كرامة المرأة ، لأن الرجل لا يحترم ولا يحب المرأة التى تشتهى الجنس وتطلبه ، وانما يحترم ويحب المرأة التى يطلبها حسب قدرته ومزاجه . 

اندهشت أن المعنى الحقيقى للكرامة الانسانية ، يتم انتهاكه يوميا ، من خلال الزواج المبكر ، والازداواجية الأخلاقية ، وبيع النساء فى أسواق الزواج الثرى غير المتكافئ ، وفى حبس طموح المرأة فى العمل والابداع وتحقيق الذات ، داخل جدران المطابخ وغرف النوم ، وفى الفن الهابط الذى يسئ الى صورة المرأة ويدعم عبوديتها ودونيتها ، وغير ذلك ، ولا أحد يذكر كلمة عن تدمير كرامة المرأة . 

مبررات واهية ، ضد المنطق ، وضد العدالة ، بمثل ما هى ضد الصحة وضد الأخلاق ، وضد جوهر أى دين . من المعروف طبيا أن " مخ " الانسان ( الرجل والمرأة )  هو العضو الجنسى الأساسى .

أى أن " عقل " الانسان هو الذى يتحكم فى شهوته سواء كان رجلا أو امرأة . 

 ما علاقة قطع جزء من الجسد بالأخلاق  وانما استقامة الأخلاق ، والتهذيب ، والفضيلة والأدب والنظافة ، تأتى من طرق التربية والسلوكيات والاحساس بالمسئولية ، ومن القيم الثقافية الدينية .  

والختان للاناث أو الذكور ، ليس من الأديان . فهو عادة من عصور العبودية الطبقية الذكورية ، التى سبقت اليهودية ، هدفها تعميق التفرقة بين الأسياد والعبيد ، وبين الرجال والنساء .  والدليل على ذلك أن السعودية لا تمارس ختان الاناث .

 وتعيش النساء المختنات هذه المأساة التى تفتك بصحتهن النفسية . فالمرأة المختنة تعيش فى اثارة جنسية دائمة دون قدرة على اشباعها عن طريق العلاقة الجنسية . وهذا الاشباع لا يتم الا عن طريق بلوغ قمة اللذة الجنسية ، ومن بعده تعود المرأة الى حالتها الطبيعية . ان حرمان المرأة من بلوغ اللذة ، يجعل الاثارة متأججة فى عقلها دون اشباع ، مثل نار لا تنطفئ ، تظل كالجمرة تحت الرماد ، مما يسبب لها العديد من الأمراض ، أولها الاكتئاب .

ان الختان يسبب للمرأة عاهة مستديمة ، قد تتحول أحيانا الى رغبة فى الانتقام من المجتمع كله . 

لو نظر رجل فى عين احدى المومسات حين يعاشرها ، لأدرك أنها تكن له المقت والكراهية والقرف والرغبة فى الانتقام . بل لو نظر هذا الرجل الى عين زوجته ، أثناء الجنس ، فقد يرى النظرة نفسها . فالمرأة المختنة تكره الجنس ، لأنه يسبب لها الألم وليس اللذة ، ومنذ تأثرت بالمقولة : " تلدين فى أسى والألم ويكون اشتياقك لزوجك وهو يسود عليك ". 

أذكر منذ ثلاثين عاما ، حينما أصدرت كتابى " المرأة والجنس " وقلت هذا الكلام ، اهتز المجتمع المصرى كأنما خدشت حياءه ، واضطر وزير الصحة الى فصلى من منصبى ، وغلق مجلة الصحة التى أرأس تحريرها ، وكذلك جمعية الثقافة الصحية التى أنشأتها ، وكانت كلمة " ختان الأنثى " من المحظورات ، وكلمة " البظر " من الكلمات النابية . 

الآن ، أصبحت هذه الكلمات على كل لسان ، بعد أن تجلت مآسى الختان ، ومنها غير الصدمة النفسية ، الموت على يد طبيب جاهل جشع ، أو على يد داية أحضرها الأهل ، الذين لا يهمهم المخاطرة بحياة الابنة الطفلة. فى الماضى كانت الحوادث موجودة ، ولكن يتم دفنها ، مثل الطفلة ، فى السر والكتمان . واننى على اليقين نفسه ، أن مطالبتى بمنع ختان الذكور ، الذى ثبت أنه يفقد العضو الذكرى ، قدرته الطبيعية ضد التلوث ، هذا غير الصدمة النفسية ،  سيمر بالطريق نفسه .

النكران ثم الهجوم ثم أخيرا ، يُمنع . انها حركة الحياة فى تجدد دائم ، ومنطق التقدم ،الذى يفرض نفسه على الجميع .

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top