لغة الألوان..غلالات مبهمة | د. موفق محادين

لغة الألوان..غلالات مبهمة

د. موفق محادين

بين الألوان والأساطير، قرابات بدائية وسيكولوجيا أعماق بعيدة. لغة كونية وتجريدات مدهشة للضوء والظلال والفصول والماء والنار والرماد.

عند البدائيين والصغار تبدو الألوان في طاقاتها القصوى.. الحرير الرخيص والملابس الشعبية.

الأصفر الميت للرهبان..والمراهقات وسكان السواحل ولوردات شركة الهند الشرقية.

الأحمر الأرجواني، لون مزاجي يصلح للجميع..الطغاة والعصاة والمجرمون..ويوم ترمي الأرض أثقالها.

الأبيض والأسود خارج النص منذ انحسار الماء عن الربوة الأولى للنساء..والأصل أولاً وأخيراً في قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل).

البنفسج:

لون غارب على وفرته..ولون ناعس لا ينام. ترن أجراسه في المغيب ما إن يرقد عباد الشمس في غلالته.

حضوره الخفيف في الزرقة الباهتة ليس غامراً بالمسرات. وحضوره الكلي القاتم يوشك على الوجوم مرات ومرات. وما بين الفاتح والكتوم صبوة ماجنة..فقد ولد باخوس وأدون من كرمة عذراء في ماء البنفسج الفسيح. يناسب القلائد والأقراط وقمصان الغجر والانوثة والحدوس وخشبات المسرح.

تحبه الشقراوات مرة واحدة مثل اللفاءات العابرة. بينه وبين الأرجواني وشجر الكباد والكبريت غموض مريب يشبه غموض الزعفران..لون دافق بين الصلب والترائب وغي فاضح في نيسان. وما قبل وما بعد..رقاد رحيم وسلام.

الأسود:

غلالة الليل والخضاب..

يصحو على حداء الساهرين والملاحين في أطراف الماء والرمل البعيد. يبجله الحجيج في سرة البيت العتيق..وما عداها خضاب الكافرين وتبديات الشيطان الرجيم في الكائنات..

الليالي والكلاب والغربان السود..والعجائز التي تظهر بدون ميعاد على الأبواب.. زحل، كوكبه المبجل، والباقي، القمر والشمس له ساجدين.

مجده الأول مع الغابرين والصيادين والضارعات إلى راكب الغيوم. مسرح أسود مفتوح..النساء والشامانات والجداء والقطط السوداء المباركة في وادي النيل،امتصاص الخطايا(الحجر الاسود، الجدي الاسود كطوطم لابناء الرب عند جماعات عديدة)

مستور طافح بالبهجة والعطايا والبركات والتجليات متى وكيفما يشاء..تهرب الفتيات بأول الرمان إليه ولا يظهرن من سواده الكتوم قبل صياح الديك..ولا يعبر البالغ العجول إلى عريشة الأنثى قبل أن يلمس الماء بيديه ثلاث مرات، ويرتدي ملابس سوداء مثل كحل البارود..ولا يهبط الغيم على القرى في ثوبه الأسود الندي، قبل أن يشخب الدم في بكر القرايين وتبكي النساء على تموز، حاسرات تماماً عن كل بياض..الرأس والصدر والعنقود..

هو السواد المحجوب، يكون ولا يكون في كل وجود. والأسود مثلاً، عند بعض الثقافات رمز للذكورة والقسوة والسلطة، لكنه عند ثقافات أخرى رمز للأنوثة "الغائرة".. كما تتبادل الثقافات رؤيتها لهذا اللون بين الحياة والمسرح والفن والشعر والرومانسية والسكينة والحكمة وبين الركود والخوف والموت المؤقت "النوم"... وهو بما هو ليلي يشتاق لضده، النار أو الضوء..

الأبيض:

لا يأتي الثلج دائماً من النافذة.

فالأبيض ليس بهيجاً كما يشتهي الشعراء بين سرير الغريبة وسرير الغرفة الثامنة..حبة الدواء، اللبن وثوب الطبيب.

وما عدا الشعراء..فحظ الذكر من البياض مثل حظ الأنثيين..حظ كامل البياض والأضلاع في الصين.الوجه الاخر للتاو، ولون الهنود على مدار الازمان، من الفيل الابيض وزهرة النسيان الى غاندي، الملح الابيض الرداء الابيض... ومأوى الأرواح في سنسكريت لا يفيض بالبهاء على اثنين: الشيطان والنساء. وتقوى الله والعمل الصالح لم تقنع العربان بالحديث الشريف (لا فضل لأبيض على أسود ولعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

فالنوق..والعمائم..وصهوات الخيل والروميات في الليل البهيم..بيضاء ريانة للناظرين، وقد يكون تعبيراً رومانسياً لصفاء الروح... وهو بارد مثل الثلج عند البعض وحار جداً بسبب ارتباطه بالنهار عند الشعوب الإستوائية ويشتاق هذا اللون إلى ضده الأسود الهادئ..

الأزرق

لم يذكر في الملاحم والاداب والفنون القديمة، ولم يعرف الا متاخرا.لون الغبطة الباردة..نذهب إليه أكثر ما يأتي إلينا..لم يحبه أحد قبل زيوس ومريم العذراء و(الدانوب الأزرق) وسقوط الباستيل بين مدينتين. أحالته روما إلى الشرق الهمجي..وأحاله الشرق إلى بحر الظلمات، فقالت العرب فيه أشأم من زرقاء وأشأم من البسوس والزباء..وكانت لعيونهن زرقة شيطان أطفأت النار في مواقد القبائل سنين طوال.

ولم يقل أحد منهم لماذا؟.

أهو غموض البحر، القائل الجواب خلف الصيادين..أم غموض الغيوم؟ مزيج لا يتحد ولا ينفصل مثل رمل المستشرقين. الرغبة والتفاحة الآثمة.. وهو أبو التناقضات فهو يرمز إلى الأعلى والأسفل في الوقت نفسه، السماء والبحر، الأمل المفتوح أو الخوف الرهيب من أعمافه البحر وآفاق السماء ويصح القول فيه أنه بالرغم من لونه الفاتح، أقرب إلى الوحشة الدافئة أو الناعمة... وقد ظل هذا اللون عند معظم الثقافات رمزاً للتشاؤم "أسنان فرق وعيون زرق" ومنه أيضاً الخرزة الزرقاء لطرد الأرواح الشريرة.. ومن اللافت للانتباه كذلك أن كل النساء اللواتي تسببن في حروب القبائل العربية الطاحنة، كن زرقاويات العيون مثل زرقاء اليمامة ومثل صاحبة البسوس..

الأصفر

تداعيات مثل شظايا المرايا..

ومسرات واجمة..

لون شديد الالتباس...

الذهب الرنان.. اوزيريس، زفس العظيم في علياه والاسخريوطي الملعون..عشبة الزعفران قبل أن تسرقها الأفاعي من بئر الصالحين.

خضاب الرهبان في الهملايا وخضاب الرحمن في البلد الأمين.

فتان عامر بالسكينة وقاتل في ثياب المحكومين والمنبوذين في المدينة..

الباهت منه يناسب الشقراوات والإعلانات التجارية.

والداكن الكتوم، يناسب السمراوات والفلاحين والبزة العسكرية.

التناقض في الأصفر مثل زميله الأزرق، واضح وجلي، فهذا اللون بقدر ما يرمز للحياة "القمح، الذهب" بقدر ما يرمز للموت "وجه وجسد الميت" وكذلك الزعفران المرتبط بالتحنيط عند الفراعنة... ولعل هذا التناقض أو الجمع بين الموت والحياة ما دفع الفلسفة البوذية إلى اعتماده رداءً لكهنتها حيث تؤمن هذه الفلسفة بوحدة الوجود..

الأحمر

لون الترتر في طاقاتها القصوى..

لون الخلق والمخاضات: الارض والغمر الولادات.

المريخ في مداراته الكاملة..

فحيح الحنايا والشهوة والعين الحمراء والأعماق الخفيضة..

النار في نشوة الحطب والقرابين للتوابين والخطاة..

الخطيئة في استدعاءاتها وبطنها الأجرب الذي لا يهدأ من شجرة التفاح إلى كراسي الاعتراف أمام أبونا إلى اللطم واللطامين في كل عاشوراء..إلى نار نوح في اليوم الأربعين.

هيلمانات الأرض والنشيد الوطني وياقات الحراس المنشأة..جنود مولانا..والمجرمون على حد سواء.

ستائر الباب العالي..وانسدالات المثوى الأخير والتواشيح على الضريح.

الأقحوان البهي في عودة الريان ودم المريدين في جبة الواحد الأحد..من باب زويله إلى نيسابور إلى باب الشام..أحبته روما وعافته العرب، حتى قالت فيه (اشأم من أحمر حماد..).

الزهري

لون عابر في كلام عابر. تفصيل خارج السياق..يفضحه الضوء، فيتدارى منه في وجل خفيف..يناسب الشخصيات المهزوزة والمشوشة والعاشقات الصغيرات..(( .

البرتقالي:

مزيج في دلالاته بين الزهري والرمادي، الرغبة الباردة، ظل الغائب في الحاضر، النور البعيد على شباك قريب، ورداء السكينة في الهمالايا.

الاخضر:

لون الهاربين من لجة المجهول والالوان الى الالفة وظلال القرى والاشجار وشفاعة الاولياء.

الرمادي:

بدد في بدد

 

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top