التعليميون عن قرب بين القول الفصل والقول الهزل!! | الدكتور ذوقان عبيدات

التعليميون عن قرب بين القول الفصل والقول الهزل!!

الدكتور ذوقان عبيدات

 

لم يحدث أن تدخل المجتمع بشكل واسع في قضية تربوية إلّا مرتين: الأولى في سنة 2015 حين اكتشف المجتمع أن جزءا من مناهجه داعشي، والاخرى حين اكتشفت مؤسسات مجتمع مدني مهمة أن مؤامرة قد حيكت بليل ضد الوطن والتعليم في الوطن!! لست بصدد مناقشة الجزء الأول، فقد حققت الحملة بعض أهدافها، فموضوعنا اليوم هو المجتمع المدني والتعليم عن بعد، والمطالبة الفورية بفتح المدارس، ولماذا لا ندعو لتطوير التعليم؟

تطوير التعليم عن قرب وعن بعد: طالما علت أصوات تطالب بتطوير التعليم، واستثمار فرصة كورونا وتوابعها في تطوير التعليم، سواء عن بعد أو عن قرب. فالتعليم المتطور هو تعليم جيد في القرب والبعد. والتعليم الضعيف هو ما لا نحتاج إليه لا قرباً ولا بُعدًا واستشهدنا بأقوال قيس بن الملوح:

وإن قربت دارٌ بكيت وإن نأت ..

كلفتُ، فلا للقرب أسلو ولا البعد.

بكلٍ تداوينا فلم يُشفَ ما بنا..

على أن قرب الدار خير من البعد.

على أن قرب الدار ليس بنافعٍ..

إذا كان من تهواه ليس بذي وُدٍّ.

فالتعليم عن قرب ليس بنافع إذا كانت أهدافه محدودة بحفظ وتلقين، والتعليم عن بعد ليس بنافع إذا كانت أهدافه مماثلة أيضًا، ومن هنا فإن الدعوة يجب أن تكون لتطوير التعليم نفسه: قرباً وبعداً.

فالعوامل الصحية وفرت الفرصة للتأمل في تطوير التعليم وليس في الضغط على الوزارة بالتضحية في فتح المدارس و”ظبّ” الأبناء والبنات بعيداً عن الأهل المعنيين.

وللتطوير خطوط هي: تطوير مكانة المعلم: شكلاً ومضموناً، تطوير مناهج التعليم، تطوير البيئات المدرسية، تطوير استراتيجيات التدريس، تطوير مهنة التعليم.

وهذا ما يجب الدعوة إليه، سواء تم فتح المدارس كلياً وهذا هو المأمول، أو جزئيّا وهذا هو المعقول، أم بقيت مقفلة وهذا هو مقبول صحيًا، وغير مقبول إنسانيّا.

يجب أن ندعو ونعمل من أجل فتح المدارس بكل قوة وبكل فرصة، بل نسعد بفتح المدارس، وندرك الأضرار والمخاطر على بقاء الطلبة خارج مدارسهم! وفي الوقت نفسه نعمل من أجل استمرار التعلم في حال لم تسمح الظروف. وهذا حديث بديهي ولا خلاف عليه! فلماذا الحملة إذن؟ ولماذا التحشيد الإعلامي ومحاولات إحباط أي عمل إنقاذي للتعليم؟

إذن تعمل الوزارة على فتح المدارس إذا سمحت الظروف الوبائية بذلك وهذا طبيعي جدًا. فالوضع الطبيعي هو في وجود الطلبة بمدارسهم. وتعمل الوزارة على استمرار التعلم عن بعد، حتى لو كان ضعيفاً. لم أسمع أحدًا تغزّل بالتعليم عن بعد، لا الوزارة ولا أنصار التكنولوجيا، سواء عندنا أو في العالم. وقد غطى فهد الخيطان هذا الموضوع في مقالته في الغد2/8/ 2020، وسرد الصعوبات التي يواجهها العالم المتقدم في هذا المجال، فكيف بنا نحن؟

على أي، ختم الخيطان مقالته: لم يكن التعليم عن بعد خيارًا ولكنه اضطرارٌ!

وهذه حقيقة فرضت نفسها علينا جميعًا. وقد قيلت عشرات المرات. لكن ما هو غير مفهوم أن يأتي من مؤسساتنا المدنية من يقول، إنها مؤامرة على الوطن، ومن الغريب أن نسمع أصواتًا كنت أظنها مناضلة في قضايا حقيقية تتحدث بلسان المؤامرة والمتآمرين. إنهم لا يريدون عنبًا بل مقاتلة الناطور!

وبعيدًا عن حديث المؤامرة، هناك فريق يدعي أنه يمثل المجتمع ويدرك المخاطر الصحية، يعلن باستمرار، انه لا مخاطر صحية من فتح المدارس والعالم يفتح مدارسه، وعلينا أن نضغط في هذا المجال، والمؤسف أن هذا الفريق يعلن نفسه كفريق صاحب قضية واحدة هي فتح المدارس وأنه لا يقبل نقاشاً في هذا المجال. إمّا أن تدعو معنا لفتح المدارس أو تسكت. ومن لم يقاتل معنا فهو ضدنا في صفوف المتآمرين!!

كل مواطن بدءًا من الوزير وحتى الطالب يتمنى فتح المدارس لأنه يدرك كما قال الخيطان إن خيار التعليم عن بعد كان ضعيفاً. وهذا طبيعي: نحن نشكو دائماً من ضعف التعليم الوجاهي المباشر، فكيف بالتعليم عن بعد!! التعليم عن بعد فلسفة متكاملة لها شروطها وقيمها وإجراءاتها. وجميع هذه الشروط غير متوافرة، وأكرر: البيت غير مؤهل. الأجهزة غير موجودة. الانضباط الذاتي غير موجود. الأهل ليسوا متفرغين. المعلمون التقنيون لا يتقنون مهارات البعد والقرب، وثقافتنا في إدارة وقت الأسرة لا يناسب تحولها إلى مكان تعلم!

ولذلك لا أحد يدعو حاليّا لتطبيق فلسفة التعليم عن بعد في بيئة غير مناسبة، فنحن لا نزرع في صحراء. قد يكون التعليم عن بعد خيارًا مستقبليّا، بعد أن تحدث التغيرات الفلسفية والقيمية اللازمة. لكنه الآن ليس خيارًا ناجحًا، وقد يكون أفضل المتاح حاليّا.

هل من جديد يقال!!، قال التعليميون عن قرب من أنصار فتح المدارس رأيهم: افتحوا المدارس! وبتقديري استندوا إلى المبررات الآتية:

التعليم عن بعد ضعيف، ولا نمتلك أدوات التعليم عن بعد، ولسنا قادرين على رؤية أطفالنا دون تعلم.

وهي كلها مبررات منطقية، ولكن هل أخذوا بعين الاعتبار القرار الوبائي، والقيودات الوبائية؟ إذن هناك إغفال لجانب مهم من المبررات وهو الجانب الأكثر تأثيراً.

ويحار المسؤول: هل يسير مع الرأي العام أم يحمي المجتمع من رأي عام خاطئ؟ وما يحيّر فعلًا أن الرأي العام أو بعضه أو بعض نخبه يريد فتح المدارس ويقول: نسبة المصابين بين الأطفال قليلة، ونسوا أن كل بيت له طفل في المدرسة يمكن أن ينقل العدوى لآخرين!!

ونحن الآن بين الفصل والهزل:

شاهدت برنامجاً تلفزيونيًا عن التعليم عن بعد. ترى المذيع متحيزًا، ويريد أن يثبت رأيه، بل يريد التفاخر أمام مجموعة مؤيدة. من التعليميين عن قرب شاهدت بازارًا يبيع بالمزاد: إبراهيم، فاطمة، محمود..إلخ. اشتموا التعليم عن بعد. إذن أصحاب نظرية مؤامرة التعليم عن بعد يتلاعبون بالرأي العام، وربما سيقولون عند فتح المدارس: نحن من ناضلنا وفتحنا المدارس!! وفي هذا كسب غير شريف!! ستفتح المدارس – من وجهة نظري- حين تقتنع الدولة بالأمن الوبائي، وبتضاؤل فرص الانتشار ولن يكون هناك فضل لأحد اللهم إلّا انحسار الوباء. من السهل شتم وزير – وهذا مؤسف- فنحن لا ننقد وانما نشتم، وأخيراً صرنا نستحضر الأدعية الدينية: اللهم خلصنا منهم!! وأدعية أخرى على أطفال المسؤولين وعائلاتهم. والحقيقة: لا أحد يستمع إلى أحد! وزير التربية يقول شرحت الموقف عدة مرات: عن قرب وعن بعد، إلّا أن قومي لا يسمعون!! وأنصار التعليم عن قرب يقولون: لا أحد يستمع لنا، وهذا يعني أن الاستماع يجب أن يكون تنفيذًا لآرائهم ولمن يعبث بهم!

الهزل هي مسرحية تواصل اجتماعي: التعليميون عن قرب كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضًا. وتحشيد تلفزيوني على غرار: لاحقوهم! أو عليهم!! أو عندنا تخفيضات: تسمح لبعض الصفوف وتمنع صفوفًا أخرى.

والفصل هو أن المدارس ستفتح حين يكون الوضع الوبائي آمنًا. وعندها لا يكون الفضل للتعليميين عن قرب بل للقرار الناصح.

ما العمل؟ قلت عدة مرات: إننا لا نمتلك الأدوات الناجحة للتعليم عن بعد. ولذلك علينا أن نطوّر أداءنا وننتج: مواد تعلمية أساسية تختصر التفاصيل وتركز على المبادئ والمفاهيم الأساسية، معلمين قادرين على التفاعل عبر التقنيات، ثقافة منزلية قابلة للتعليم عن بعد، وتقدر جهود العاملين في مجال الصحة والتعليم، الأدوات والتقنيات اللازمة.

هذه شروط نجاح التعليم عن بعد. وبالمناسبة إن هذه الشروط ترتبط أيضًا بالتعليم عن قرب. لأن تعديل المناهج وتركيزها على المفاهيم الأساسية هو من أسس تطوير التعليم، ومن المهم أن تعرف أيضًا أن كل الجهود المبذولة حاليّا لتطوير التعليم عن بعد ستكون مهمة جدًا في الاستعداد لمستقبل قريب أو بعيد.

ففي الجامعات، لا داعي لأن تكون جميع المساقات تعليمًا مباشرًا حيث يمكن أن تخصص ساعة للتعليم عن قرب وساعتين يمكن تنفيذهما عن بعد. وكذلك في الصفوف العليا من المرحلة الأساسية والثانوية!!

إننا نشكو من قلة المعلمين المؤهلين. بل من قلة أعداد معلمي الفن، والفيزياء، والرياضيات، ولذلك سيكون جزء من التعليم عن بعد مهتمًا في سد هذا النقص.

التعليم عن بعد ليس مؤامرة، والتعليم عن قرب ليس كله سعادة وقلتُ سابقاً: وليعذرنا التعليميّون عن قرب أو فاتحو المدارس!. أما التعليميّون عن بعد فهم من ملأوا الفراغ وعملوا جهداً لإنقاذ الموقف. وأخيرًا، أنا مثل كل مواطن مع فتح المدارس إذا كان الوضع آمنًا!!

والتعليم المتاح الآن: فتح جزئي لمدارس القرى، وفتح تناوبي لمدارس المدن مع استمرار جهود تطوير التعليم بأبعاده كافة. وهنا يجب أن تتوجه الجهود. والتركيز على المهارات الأساسية إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولًا.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top