المسرحية في الأدب العربي

آخر الأخبار

المسرحية في الأدب العربي

تنوير – خاص

نورا علي

 

تعرف العرب على المسرح عندما بدأ في بلاد الشام في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وتحديدًا سنة 1848م عندما عاد مارون النقاش من أوروبا إلى بيروت فأسس مسرحًا في منزله فقام بعرض أول نص مسرحي في تاريخ المسرح العربي الحديث وهو" البخيل" لموليير،  فكان أول من أدخل هذا الفن الجديد في التربة العربية.

ويُعد الأدب المسرحي من أصعب فروع الكتابة الأدبية، كونه يرتكز على ركيزتين ؛ الملهاة أو المأساة.

اتجه الأدباء للرواية وحديثًا للقصة القصيرة وبات أدب المسرحية من التوجهات النادرة عربيًا، ويعتبر الأديب المصري الراحل ( توفيق الحكيم ) الرائد لهذا الأدب، بُعيد مسرحيته المشهورة أهل الكهف عام 1933 إذ اعتبرها المتلقي حدثًا هامًا في الدراما العربية فقد كانت تلك المسرحية بدايةً لنشوء تيار مسرحي عرف بالمسرح الذهني.

ورغم إخفاق الحكيم في تحويل بعض نصوصه المسرحية إلى أعمالٍ على خشبة المسرح لاعتبارها نصوصًا للقراءة، إلّا أنه تفوق فيما قدمه، فمعظم مسرحياته من النوع الذي كُتب ليُقرأ ليكتشف القارئ من خلالها الإسقاطات التي تنصب على الواقع في سلاسةٍ رمزية تقدم كامل الرؤية النقدية التي تخاطب العمق والوعي في كل الطبقات.

ورغم أهمية المسرح نجد قصورًا أدبيًا من كتّاب هذا الأدب وإهمالًا من قيادات الجوائز التي تدعم فن الرواية والقصة.

لكن الشاعر يوسف مسلم برع في هذا الأدب وبرهن قدرته على جمع عناصر المسرحية في مشهد من أربعين صفحة في مسرحيته العبقرية ( الشبيهان) أو مؤامرة العباقرة، ( فانتازيا في فصل واحد)  متخذًا المكان ؛ ساحة في المدينة ... ساعة حائط  / الزمان ؛ ختام الألفية الثانية وتحديدًا الحادية عشر ونصف من ليل الواحد والثلاثين من ديسمبر للعام ١٩٩٩  وبذكاء شديد للخروج إلى الألفية الثانية.

معتمدًا على شخصين نقيضين ؛ الشرطي المكبل بأعباء الحياة/ العجوز الساخر اللّا مبالي الراكل لكل القيم.

مبهرًا العمل ببعض الشخوص العابرين ؛ كالعاهرة والبخيل ، الشاب، الشحاذ، بعض المشاغبين.

تدور الأحداث في محور صغير المساحة الزمنية والمكانية مسلطًا الضوء على مساحة العالم بأكمله؛ في حوار مُحكم اللغة، وجُمل فلسفيةٍ ساخرة تحمل من الإسقاطات الثلاثية الأبعاد؛ البُعد النفسي (( العجوز - بصوت مرتفع ونبرة خطابية مبالغ فيها-:  إذا كنا نملك أهدافًا نبيلة نريد بها تغيير وجه العالم، كي يصبح لنا نحن العباقرة فلا يوجد مانع من تقديم بعض التنازلات من أجل الغد الأفضل))

والبعد السياسي (( العجوز يتوجه نحو الخارج لكن الشرطي يجري نحوه...  يسقطه على الأرض ويهم لقتله، لكن العجوز يفلت منه، تسقط العكازة بعيدًا، الشرطي والعجوز يلتحمان، يتصارعان، العجوز ينزع القس من صدر الشرطي بعنف، الشرطي وهو يتألم يمزق قميص العجوز، فتظهر من تحته نتف القش، الشرطي ينزعها... كلاهما ينزع القش من صدر الآخر بحركات هيستيرية، يضحكان بتشفٍ، موسيقى صاخبة، يسقطان على الأرض، متهالكين، يلهثان - صمت- كل منهما ينظر للأخر ثم يواصلان الضحك...))

أما البعد الثالث وكان مبطنًا في جوهر الحوارت، فقد تناول تعاقب الأجيال/ والأبعاد الثقافية والإجتماعية والزمنية التي ترتكز عليها النزعات والنزاعات البشرية.

 

استطاع الشاعر يوسف مسلم الخروج من القالب الشعري الذي يقع فيه أغلب الشعراء عند كتابتهم لنص مسرحي، مستخدمًا لغة حرة دون الابتذال مجردة تحاكي جميع الطبقات والثقافات، لغةً محايدة قوية منتقاة بحرفية عالية، تلائم المشهد المسرحي الذي يُقرأ ويُرى، ملمًا بتفاصيل التقنية المسرحية، معالجًا للجانبين المسرحيين؛ الملهاة و المأساة معًا دون ترجيح أحداهن على الثانية.

لكن حبذ لو استخدم الشاعر جُملًا باللهجة العامية لكان المشهد أشد وطأةً على القارئ، لكن الشاعر كتب مسرحيته في حقبة لم تكن تحبذ خلط الفصيح بالعامي.

الشبيهان ؛ مشهد مسرحي من طراز عالمي، تفوق فيه الشاعر على الشاعر، تناول العمق بحرفية تجعله في خانة عباقرة المسرح.

المسرح بدأ مع بداية الحضارات وقد أُثبت أن الفراعنة كان لهم مسرحًا والروماني والإغريقي ولكن الأدب المسرحي نشأ في أروبا في حين كان العرب يكتبون الشعر المسرحي وإن تناول بعضهم الأساطير كمسرح للعرض ، يقول الناقد الإراديس نيكول في كتابه “الدراما في العالم” فقد ذهب إلى أن مصر القديمة عرفت التمثيلية الدينية أو ما كان يعرف بـ (تمثيلية أبيدوس)، كما أثبت المستشرق أوليري في كتابه “الفكر العربي ومكانه في التاريخ”، ونيكلسون في كتابه “تاريخ الأدب عند العرب”، وجولدزيهر في كتابه “العقيدة والشريعة في الإسلام”، وجرونيباوم في كتابه “دراسات في الأدب العربي”، هؤلاء جميعاً اثبتوا أو بتعبير أدق لم ينكروا أن العرب القدامى كانت لهم أساطير في الجاهلية، بل كان تلهم تلك الشعائر التمثيلية شأنهم شأن غيرهم من الأمم.

من جملة ما يراه رينان حول القضية التي نطرحها، وللأسف فقد تبنى بعض المفكرين العرب ما جاء فيها: “ان مزاولة المسرحية تقتضي الروية والتفكير بينما العرب هم أهل بديهة وارتجال”. وأيضا: “المسرحية تتطلب الإلمام بطبائع الناس وأحوالهم، وهم قد شغلوا بأنفسهم عن النظر فيما عداهم”، وربما كان يقصد بذلك التفسير الذي ساقه عباس محمود العقاد في كتابه “أثر العرب في الحضارة الأوروبية” معللاً به عدم معرفة العرب للأدب المسرحي. فعند العقاد أن التمثيل فن من الفنون التي ترتبط بالحياة الاجتماعية ارتباطا وثيقا، وطالما أن بيئة العرب لم تتعدد فيها أدوار الحياة الاجتماعية، لم يكن يعقل أن ينشأ فيه فن التمثيل أو يظهر فيها أدب المسرح: “فإنما يقوم فن التمثيل من الناحية الاجتماعية على التجاوب بين الأفراد والأسر كلما تعددت العلاقات وتنوعت المطامع والنزعات، لو لم يكن في مجتمع البداوة مجال كبير لهذا التجاوب بين أسرة وأخرى وبين إنسان وإنسان”.

 

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top