وقف حبس المدين ... إلى متى ؟! | المحامي الدكتور محمود عبابنة

وقف حبس المدين ... إلى متى ؟!

المحامي الدكتور محمود عبابنة

بالرغم من أن موضوع حبس المدين قد مر بمخاضٍ تقييمي وقانوني شارك به من المتحمسين لإعلاء مبادئ حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى المتحمسين لتحقيق العدالة المدنية وتعظيم قدسية اللجوء إلى القضاء؛ المرجع الوحيد والأخير لإحقاق العدل وإعادة الحقوق في المنازعات المدنية، ونعيد ونكرر ما تكرس في الفقه القضائي: " أن الدعوى تُربح مرتين؛ مرةً أمام محاكم الموضوع ومرةً أمام قضاء التنفيذ".

وبمعنى آخر فإن المطالبة المدنية وبعد مرورها في ماراثون التقاضي، مروراً بدرجات المحاكم، والتي قد يستغرق المرور بها والحصول على حكمٍ بالحق سنوات، فإن الحق يتجلى ويتم الافصاح عنه بقرار حكمٍ قطعيّ، إلا أن العدالة تبقى حبراً على ورق ولا تتحقق إلا بتنفيذ الحكم وإعادة الحق إلى صاحبه،  ويكون تنفيذه إما بالحجز على أموال المحكوم عليه، أو حبسه ضمن نطاق المدة المسموح بها في القانون.

وقد حاولت مدرسة حقوق الإنسان وناشطوها والمتمسكون بعدم إلغاء الحبس، الوصول إلى حل في منتصف الطريق؛ بحيث لا يُعمل بالحبس لمن تجاوز عمره 60 عاماً، وكذلك تقليل مدة الحبس ، وعدم تطبيقه على من يعاني من مرض عضال، أو كان المدين المعيل الوحيد لعائلته، وتبنى ذلك عدد من اعضاء مجلس النواب السابق، إلا أن قانوناً جديداً بهذا الخصوص لم يصدر، وبقي الأمر كذلك حتى داهمتنا جائحة كورونا التي قلبت حياتنا رأساً على عقب، وخلقت ردات فعلٍ طارئة لمواجهة هذه الجائحة، وعلى رأسها تفعيل قانون الدفاع، ومع ذلك فقانون الدفاع لم يتعرض لموضوع حبس المدين، فكان أن تصدى لهذا الموضوع، المجلس القضائي الموقر، الذي اجتهد بإصدار تعليماتٍ، يوقف فيها حبس المدين، للتخفيف من ازدحام السجون، شعوراً  مع المتعثرين مالياً في زمن الجائحة.

الآن وبعد الإقلاع عن فرض الحظر الشامل، وعودة الحياة تدريجياً إلى ما كانت عليه، فلم يعد هناك مبرر لوقف حبس المدين، الذي ماطل أمام محاكم الموضوع لسنوات، وها هو عند التنفيذ يردد جُملاً على مسامع الدائن الذي احتصل على حكم قطعيّ من طراز: " روح أعلى ما بخيلك اركب .. مافيش حبس"، بل إن الأخبار الواردة من دوائر التنفيذ تفيد أن المدينين الذين كانوا قبل الجائحة محكومين بتسوية، ويدفعون اقساطاً شهرية ضئيلة للدائنين، قد توقفوا عن الدفع، فكيف هو الحال عندما تريد أن تطرح حكماً جديداً؟!!

مسألة قياس أمد إجراءات التقاضي لا تَعني فقط اجراءات التقاضي أمام قاضي محكمة الموضوع، بل تشمل إجراءات التنفيذ أمام قاضي التنفيذ، فما الفائدة من السير بإجراءات الدعوى لسنوات، ثم الاحتفاظ بالحكم القطعي في الأدراج، لعل وعسى أن يرأف قلب المدين الذي هرّب جميع أمواله قبل وصول الحكم إلى محكمة التمييز أو الاستئناف؟! وما قيمة الحكم القطعي إذا لم نجد ما يمكن الحجز عليه؟!! أما القول بأن حبس المدين لا يُعمل به في الدول الراقية فهذا قول مبتور، ولا يعكس حقيقة التزام المدينين في سداد الديون واحترام قرارات المحاكم، لوجود الضمانات الكافية، ولوجود سلسلة من الاجراءات، تقع على عاتق المدين وهي أشد من الحبس، اذا لم يفِ بدينه.

نفتخر بقضائنا النزيه، ولكننا نريده قضاءً نزيهاً وناجزاً، بمعنى أن يصل الإنسان إلى حقه بأسرع مدة زمنية ممكنة، وأن يتم تنفيذ أحكامه التي صبرنا للحصول عليها سنوات، ونحن نذرع ردهات المحاكم الشهر تلو الشهر، ونصبر على تأجيل القضية وعدم حضور الشاهد وعدم صحة التبليغ وعدم حضور الخبير...، كل ذلك للوصول إلى مرحلة التنفيذ، وقطف ثمار اللجوء إلى المحاكم، والتي نتفاجأ في هذه الأيام بأن هاجس الكورونا ما زال يخيم على دوائر التنفيذ.

مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top