الطفولة في زمن كورونا

آخر الأخبار

تعبيرية

الطفولة في زمن كورونا

عمان – تنوير

 

 لم يتوقع الطفل سداد (12 عاما) أن يختبر تجربة طفولية صعبة، وهو يعيش مع عائلته تفاصيل جائحة كورونا منذ أن بدأت في آذار (مارس) الماضي، والتي أثرت على كل مناحي الحياة، وحرمته من أبسط الأشياء التي كانت مصدر بهجته وسعادته يوما.
يقول الطفل سداد “حرمت أنا وأشقائي من المدرسة، وأغلقت كل الأماكن الترفيهية التي كنا نحب الذهاب اليها، وأصبح خروجنا من البيت يخضع لشروط عديدة متعبة ومرهقة، ويتم منعنا من زيارة أصدقائنا أو زيارتهم لنا خوفا من انتشار فيروس كورونا”.
ويتساءل سداد: “متى ينتهي هذا الفيروس ونعود لحياتنا السابقة كما كنا نلهو ونلعب من دون خوف ولا كمامات ولا تعقيم ولا رعب من فكرة الإصابة؟!.. متى نعود لمدارسنا ونرى معلمينا وأصدقاءنا في كل يوم ندرس معا ونتناقش بواجباتنا ونتناقش معا؟!”.
ولا تخفي أم سيف التغير الكبير الذي طرأ على شخصية طفلها (10 أعوام) منذ بدء الجائحة؛ إذ لمست ذلك في شخصيته جراء الضغط النفسي الذي يعيشه وابتعاده عن مدرسته وأصدقائه، ووجوده داخل أسوار المنزل أغلب الأوقات، عدا عن اضطراره لأن يسمع طوال اليوم كل الأخبار “المخيفة” التي تتحدث عن حالات الإصابة وعدد الوفيات جراء الفيروس مع أفراد عائلته.
وتبين أم سيف أن طفلها لم يعد اجتماعيا كما كان، فهو يقضي معظم أوقاته على الأجهزة الالكترونية، لم يعد حتى يرغب برؤية أصدقائه، وكأنه اعتاد على نمط معين، لم يعد يرغب بتغييره حتى بأقل الحدود.
أم سيف باتت “مرعوبة” من فكرة الضغط النفسي الذي يعيشه الأطفال منذ بدء الجائحة؛ إذ تغيرت كل أنماطهم المعيشية، وابتعدوا عن مدارسهم، ومحيط أصدقائهم، وحتى عن الأماكن الترفيهية التي كانوا يرتادونها، كل ذلك كان أكبر من أعمارهم لتحمل تجربة صعبة ومؤلمة زرعت الخوف مبكرا في نفوسهم.
ومنذ بدء جائحة كورونا اختلفت طريقة الحياة وأسلوبها، غير أن الأطفال كانوا من أكثر المتضررين؛ إذ حرموا من أبسط حقوقهم وهي المدرسة التي كانوا يفرغون بها طاقاتهم ويمارسون بها الأنشطة كافة التي تنعكس عليهم إيجابيا وتنثر الفرح داخل قلوبهم.
والآن، اختلف أسلوب حياة الأطفال، وزاد تعرضهم للضغط النفسي، فالتقيد بإجراءات السلامة والخوف من قبل الأهل على الأبناء، وعدم توفر أماكن للعب وإغلاق الحدائق والأماكن الترفيهية كافة وتحول التعليم عن بعد، كلها عوامل أوجدت حالة من الخوف والقلق والضغط الكبير عند الأطفال.
اختصاصيون اعتبروا أن الضغط النفسي الذي تعرض له الأطفال خلال هذه الفترة، قد يسبب لهم حالة من الانطوائية والانعزال، ولا بد من الأهل العمل على توفير الأنشطة التي قد تساعدهم على الشعور بالتجديد، وإحاطتهم بجو من الإيجابية وبث الرسائل المحفزة التي تطمئن قلوبهم.
وفي ذلك، يذهب الاختصاصي التربوي الدكتور عايش النوايسة، الى أن الضغوط إثر الجائحة، تزداد يوما بعد آخر، خصوصا على الأطفال الذين باتوا يسمعون ويقرؤون على مواقع التواصل الاجتماعي عن حالات الإصابة وأعداد الوفيات، ما جعل الجو العام يخيم عليه شعور الكآبة، وهذا انعكس على نفسية الصغار وطريقة تعاطيهم وتعاملهم مع ما حولهم، مبيناً أن قصة التعليم عن بعد وحدها خلقت لديهم أزمة نفسية.
إلى ذلك، زادت لدى الصغار حالة من القلق والخوف من الحاضر والقادم، كل هذه العناصر وفرت بيئة مضادة لنمو الطفل بالشكل الطبيعي، وبالتالي انعكس ذلك عليهم، وأصبح هناك كثير من الأطفال يميلون الى الانطوائية والعزلة عن المحيط.
الأصل من الجهات كافة البدء في توجيه الرسائل الإيجابية، والتطمينات، وزيادة الوعي لدى الطفل بأن ما يحدث هو وضع استثنائي، وستعود الحياة لطبيعتها مرة أخرى، وأننا جميعا وبتكاتفنا قادرون على التعامل مع فيروس كورونا وتحدياته.
ووفق النوايسة، فإن هناك دورا كبيرا لمواقع التواصل الاجتماعي ببث الطاقة الإيجابية والتخفيف من حدة الإعلانات عن الوفيات وتخصيص مساحة للرسائل المحفزة، واستغلال الأهل للفترة التي يتواجدون فيها مع الأطفال بطريقة تؤثر عليهم إيجابيا، خصوصا في فترة الحجر.
ويفضل أن يركز التعليم في هذه الفترة على مهارات الحياة والتواصل والتعامل مع الأزمات وتقبل الآخر، والتربية الصحية والوقائية كون هذه الفترة بحاجة الى هذا النوع من التعليم تحديداً.
ويذهب الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، الى أن الأطفال في ظل الحظر وتقليل ساعات الحركة، واستبدال الذهاب للمدرسة بالتعليم عن بعد؛ فقدوا الكثير من الأنشطة والفعاليات الترفيهية، رغم حاجتهم لمتطلبات نمائية تؤثر إيجابا على نفسيتهم.
والطفل، وفق مطارنة، يشعر بالملل والضجر ويفتقد أصحابه وأصدقاءه، وتفاصيل حياته كلها تأثرت، ما أوجد لديه انتكاسة وضغطا نفسيا، مبينا ضرورة تدخل الأسرة بالتخفيف من الضغط الذي يعيشه لكي لا يبقى مرافقا له بالمستقبل.
كذلك، ينبغي على الأسرة استغلال أي وقت لإيجاد أنشطة للأبناء داخل وخارج المنزل للتنفيس عن طاقتهم، بالرغم من أن كل ذلك لا يكفي، خصوصا وأن الطفل قد فقد تجاربه الخاصة التي كان قد حصل عليها في المدرسة.
ويضيف مطارنة أن الطفل كان يكتسب خبراته وإثبات وجوده من خلال ما يختبره في المدرسة، وبنشاطه مع زملائه، لابد من توفير جزء من هذه النشاطات في المنزل للتخفيف من حدة الأزمة والضغط الذي يتعرض له منذ بدء الجائحة.
ويشير الى أن الضغط الذي يعيشه الصغار إن لم يتم معالجته، فإنه قد يسبب لهم حالة من الانطوائية والتدني في مفهوم الذات ولاحقا الاكتئاب، عدا عن تأثيرات سلبية على المدى البعيد، مبينا أنهم مجبرون على كل ذلك حاليا، لكن ينبغي على الأهل أن يعرفوا كيف يتعاملون مع الأمر لكي لا تتطور حدته.
ويقترح مطارنة إخراج الطفل في رحلة أو حتى نزهة في السيارة، وتوفير مساحة للعب في أماكن مفتوحة وآمنة وإبعادهم عن الألعاب الالكترونية قدر المستطاع وشغل أوقاتهم بأنشطة مفيدة بمشاركة أفراد الأسرة.
دراسة أعدتها اللجنة الدولية الكاثوليكية للهجرة خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) الماضيين، وحصلت عليها “الغد”، أظهرت “أن نحو 25 % من الأطفال في الأردن أصابهم التوتر خلال فترة الحظر، و14 % قلق وحركة زائدة، و11 % زيادة في السلوكيات العنيفة، و34 % ملل، و2 % عدم استقرار عاطفي”.
هذه النتائج تتفق مع نتائج أخرى لتقييم احتياجات أجرته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في أيار (مايو) الماضي، وأظهر “أن 41 % من الأهالي قالوا إن أطفالهم تأثروا سلبا بسبب أزمة “كوفيد 19″ والحظر، إذ لفتوا إلى ارتفاع نسبة القلق بين أبنائهم، الخلافات والمشاكل بين الأشقاء، الكوابيس، عدم القدرة على السيطرة على الأطفال، وارتفاع نسب التوتر”.

الغد


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top