لم يعُد للبُن رائحة! | ماجد شاهين

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

لم يعُد للبُن رائحة!

ماجد شاهين


ماجد شاهين
كنّا في المقهى، ومنذ زمن ٍ بعيد انقضى ، نكتب  للنادلِ على ورقة  أو على الطاولة أو نقول له بالصوت الواضح: الشاي رديء بسبب رطوبة ربّما أو بسبب إعادة "تسخين لإبريق بائت"، والقهوة تالفة بسبب من رداءة البن ّ وكأنّه من الصنف العاشر!
النادل لم يكن يغضب كثيرا ً، كان يكتفي بالقول إنّ البنّ والشاي يمكن تصنيف مذاقيهما وفق أحوال الناس؛ فلكلّ شخص مذاق وذائقة، و الناس أصناف وصنوف !
كنّا نعرف أنّه يشتغل وفق حاجة السوق وحسب ما يتلاءم مع صنف الزبون .
كان أحمد لا يعرف الحلول المتوازنة ، فإمّا أن يأخذ مكانه هناك بعيدا ً عنا و يجلس إلى طاولة بمفرده و يحتضن أوراقا ً كثيرة ويجعل المكان صاخبا ً بالمناداة على النادل أو بالبحث عن أسباب خسارة فريق من الدرجة الخامسة في لعبة كرة القدم ، حيث كان يبحث عن خبر ٍ يرسله لصحيفته اليوميّة .
أحيانا ً كان يكتفي باتصال  هاتفي ّ مع محرّر مناوب ويعطيه نتيجة المباراة وبلا تفاصيل .
و أحيانا ً أخرى كان يجلس إلى جوارنا لصق أجسادنا عند الطاولة ، يضع ساقا ً فوق ساق و يكرع شايه بصوت مسموع و يتحرك كثيرا ً .
كنت ُ أنهره و أصرخ في وجهه وأطلب إليه أن يحرّر  جسدي من التصاقه بي .
كان ولا يزال فاكهة المكان بمفرداته المغايرة التي تبدو غامضة في كثير من الأحيان .
كنّا نقلب الفناجين ليبحث الصديق الفَكِه وليم عن حظوظنا في قعر فنجان أو في بقايا بنٍّ تالفٍ.
لم يكن (وليام) قارئا ً للبخت ولا حتى للورق، لكنه كان حارس أوقاتنا، و إذا ما ضحك  تضحك البلاد كلّها !
..
وأسماء كثيرة ، رحل منها من رحل وسافر من سافر و ظلّ عند الرصيف عدد من حارسيه الوقورين.
لم  يَعُد شاينا شايا ولا القهوة فاكهة لذيذة ولم نعد نخرج إلى الشارع فرحين حين ننتصر في لعبة الورق أو في لعبة النرد .
غاب النرد وانقطع الورق وصرنا نلعب في الفضاء الإليكتروني ّ بمفردنا .
هكذا صارت الأحوال، من ضحك ناصع ٍوفكاهة ونادل ٍ بخيل مقطّب ٍ و من بنٍّ  رديء وطاولات وصراخ ، انتقلنا إلى أوقات معلّبة نقضيها مع الشاشات والضوء منفردين نقرأ ونكتب ونعاين المسافات بالعزلة .
..
ضاقت الدروب واختفت المشاوير وصارت "التحايا" بكبسة أصبع وضوء قصير وفضاء .
صارت الأوقات بلا روح وبلا فاكهة وبلا أصدقاء يصنعون الضجيج الجميل .
.. لم يعد للبن ّ رائحة .

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top