عمّان وشتاء المغتربين | الدكتور نزار قبيلات

عمّان وشتاء المغتربين

الدكتور نزار قبيلات

 

    وحيدةٌ دون مواقد حَطب ودفء، تقف عمّان كابيةً  كبائعة الكبريت على أطلال ما تبقى من دواويرها السبعة التي  لم تحوّلها أمانة العاصمة  بَعد لإشارات ضوئية، فعمان هذا الشتاء وحدها  تُصارع الازدحام و قِصر النّهار وأقسام الطوارئ والتهابات الحلق والقصبات الهوائية وانفلونزا الخنازير، لقد تركها أبناؤها قبل أن يخفوا أنفسَهم عنها تحت المعاطف والقبعات الشتوية وملابس منع البلل، وصارت دموعُها سيولاً أغرقت  وسط البلد وسوق البخاري والمدرج الروماني،  فقد ملأ دمعُها حتى الحفر و الزقاق العتيق دون أن يجد من يُكفكِفَه.

    عمّان في شتائها هذا عاجزةٌ عن أن تُنظف شرايينها التي ملأتها السيول بالحِجارة و النفايات ففاضت حتى وصلت إلى سيل الزرقاء.

وكذا المقاهي الشعبية والباعة المتجولون والطائرات الورقية التي أعدها أبناء جبل القلعة ومخيم جبل الحسين غادرت هي أيضا ولم تعد تلوّن سماء عمان أو جدرانها المتعبة، فحتى القطط الشهباء المعروفة اختفت من الشوارع بعد أن لم تجد ما يسدّ رمقَها أمام مقاهي برجوازية تغولت على وسط بلد الفقراء وصارت تقدم لحماً مقدوداً وأغاني مبتذلة لأثرياء اشتروا من تلك المقاهي العفوية والبساطة وابتسامة النادل، فقد قام رجال "الفالي"  هناك بشراء مواقفنا التي منحتها لنا عمان وطردوا عنها أطفال العلكة وبائعي الورق الصحي "فاين".

    عمّان والشتاء متلازمة حُزن حيث  يبدل فيها الرفاق نخبَهم، ليتركوا لها بقايا ضجيج سياراتهم وملح أكوابهم المسكوبة على طرقاتها وأرصفتها التي تقرّحت من برد هذا العام، لقد بدت مدينتي بعد لاغياب قصير شاحبة أمام كاميرات السّواح والزائرين، شاحبة لأنها خلعت عنها ثوبَ الحُسن وقلائد القصائد التي كتبها حيدر وعرار، فلماذا تبدو مدينتنا اليوم وكأنها تلك  الفتاة البدوية المزيونة التي رَهنت خِلاخلها وأسوارها وعطرها  لقاء رشفة ماء لصيفٍ ينتظرها أن تعطش وتستجدي وهي التي ألبست الماء زرقته و وادي عبدون خضرته والرجولة العفة و الشماغ الأحمر.

   

  تشيخ مدينتنا اليوم  وتطول ضفيرتها وهي  تغادر حجرة قلبها في جزئها الشرقي إلى الغربي، وبتمهل صارت عمان  تمسح دموعها عن سهولها التي طالتها يد المقاولات ورجال البزنس،  فأبدلوا غابة الشيح والقيصوم والنعناع بغابة الحجر والذوق الفاسد .

   ثمة رفاق الآن يعتلون إحدى التلال البعيدة، تحرسهم نارهم المسلوبة من هزيع الليل والبرد، أبصارهم تلتفت خلفهم حيث عمّان تنسل بين جبالها وتبكي بصمت عظيم.

 

مقالة خاصة بموقع تنوير


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top