مستقبل الديمقراطية الاجتماعية (2) | د. جميل النمري

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

مستقبل الديمقراطية الاجتماعية (2)

د. جميل النمري

 

 

 انتهينا في المقال الفائت "صعود اليمين الشعبوي ومستقبل الديمقراطية الاجتماعية" إلى تساؤلات شائكة حول مستقبل الديمقراطية الاجتماعية كتيار سياسي وفكري وحزبي مع ظاهرة صعود الشعبوية (اليمينية في الجوهر) في أوروبا وفي العديد من دول العالم.

الحوار حول المستقبل ليس جديدا داخل الديمقراطية الاجتماعية ففي حقبة الثمانينات مع صعود التاتشرية والليبرالية الجديدة وبدايات ثورة المعلوماتية دار حوار حول خط الديمقراطية الاجتماعية والتغيرات المطلوبة بعد أزمة "دولة الرفاه" وهي درة إنجاز الديمقراطية الاجتماعية، وغالبا كان الاتجاه هو مغادرة ناعمة للخطاب الطبقي والمفاهيم التقليدية للعدالة والمساواة والرعاية الاجتماعية باتجاه مفهوم أكثر حداثية لمسؤوليات الدولة والحكم في مجتمع ومع اقتصاد أصبحت فيه المعرفة (المعلوماتية) هي أساس القوة والثروة وظهر تعبير "الطريق الثالث" أي خط وسط بين الاشتراكية التقليدية والليبرالية وكتب المفكر والأكاديمي انتوني جيدينز كتابا بنفس العنوان. وواقع الحال أن المسافة بين اليمين واليسار كانت تتقلص وتكاد تنتهي في السباق إلى الوسط حيث كمية الأصوات الحائرة التي ترجح أحد الفريقين. وضمور التمايز بين الأحزاب وبرامجها لم يخدم العملية الديمقراطية وكان لصالح اليمين المتطرف الذي ظهر كقوة ثالثة وعندما لم يعد أي من الحزبين الرئيسيين لليمين واليسار يملك أغلبية حاسمة كان يتم تشكيل  حكومات ائتلافية واسعة كما حصل تكرارا في ألمانيا وسيؤدي ذلك لاحقا إلى تراجع مصداقية الأحزاب الكبرى وصعود الشعبوية.

منذ الثمانينات وخلال عقدين من الليبرالية الاقتصادية والخصخصة وتقدم العولمة تآكلت مكاسب الفئات الشعبية والعاملين واتسعت الفوارق الاجتماعية وظهرت المعاناة الطبقية نفسها رغم التقدم التكنولوجي ودفعت الفئات الشعبية غاليا ثمن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية عام 2008 والمرتبطة بفضائح فساد هائلة للشركات فانهارت نظرية الليبرالية الجديدة واصبحت الرأسمالية المنفلتة من الرقابة في موضع اتهام وتدخلت الدولة بقوة لإنقاذ الاقتصاد وإعادة الاعتبار للرقابة على نشاط الأسواق والشركات المالية.

عاد الاعتبار لخطاب الديمقراطية الاجتماعية عن العدالة والحقوق الاجتماعية والدور الرعائي للدولة مجددا. هذا حتى ظهور تنظيم داعش وأزمة اللاجئين العالمية والإرهاب الذي ضرب العواصم الأوروبية وكان هذا التطور هو الأسوأ بالنسبة لليسار الأوروبي  فظهر الخطاب الشعبوي اليميني الجديد متجاوزا الأحزاب المحافظة واليسارية معا ليطرح بصراحة خطابا غاب طويلا عن الثقافية الأوروبية خطاب التعصب العنصري والهوية الوطنية والعداء للمهاجرين مختلطا بالعداء الغوغائي للضرائب والرسوم والالتزامات التي تفرضها الدولة ودون طرح أي برنامج حقيقي بديل غير مخاطبة الغرائز الأكثر بدائية لدى المواطنين.

هذه الظاهرة غيرت الأولويات واصبح الهاجس هو مواجهة الشعبوية اليمينية والوطنيات المعادية للوحدة الاوروبية وهي تتقدم وتهدد كل المكتسبات التقدمية للمجتمعات بما في ذلك الوعي والالتزامات تجاه البيئة وطبعا الخطر على الوحدة الاوربية وعاد الحوار ملحا حول مواجهة المد اليميني الشعبوي وبأي خطاب وأي سياسة يمكن دحره وإقناع الجمهور الذي صوت لقوى لم يكن لها حتى شهور مضت قبل الانتخابات أي وجود كحزب أو كبرنامج غير الشعارات التي تدغدغ غرائز الجمهور. كان انتخاب ترامب التجلي الأبرز لهذه الظاهرة التي سبقها ولحقها انتصارات لليمين الشعبوي ورموزه في دول كالنمسا وهولندا وغيرها.

الحوار داخل الديمقراطية الاجتماعية عاد من المستوى الاستراتيجي الى المستوى التكتيكي مع زيادة واضحة في الجرعة اليسارية للخطاب تتحدى الشعبوية اليمينية وتستعيد الروح العريقة للثقافة التقدمية والأممية والانسانية والاجتماعية في مواجهة تيار يقترب من الفاشية والنازية ويجاهر بنفسه بعد أن كان من المحرمات وهو يكتسح صناديق الانتخابات ويكاد يفوز بالأغلبية لتشكيل الحكومات.

 لكن على هامش الحوار السياسي المباشر الذي يستعيد القيم التقليدية للديمقراطية الاجتماعية تنشغل مراكز دراسات و باحثين ومفكرين في حوار ابعد لمستقبل السياسة والأحزاب والديمقراطية  ومستقبل الرأسمالية والاقتصاد في ضوء الثورة الصناعية الثانية واستقراء اتجاهات تطور الواقع وتشخيص معنى وأثر التغيرات الثورية التكنولوجية على الاقتصاد والمجتمعات والدول والمؤسسات وعلى الممارسة السياسية والديمقراطية.

فيما يخص الديمقراطية الاجتماعية يبقى هذا حوارا مستقبليا لا يؤثر على برنامجها المباشر وقد كان الدرس الابرز منذ الازمة المالية والاقتصادية عام 2008  وحتى الآن ان التطورات التكنولوجية والعولمة لا تغير في المدى المنظور من التحديات القائمة والمتعلقة بمعاناة الفئات الاجتماعية واحتياجاتها مثل الاجور والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي اي ان برنامج الديمقراطية الاجتماعية يبقى صالحا وضروريا لفترة قادمة والتحد هو في تجديد الحيوية السياسية وعلاقة الحزب مع الجمهور واكتساب المصداقية ويدور الحوار حول الخطاب والادوات والاتصال وصناعة الرأي العام. وتمثل وسائل التواصل الاجتماعي تحديا بارزا وهي باتت اداة رئيسية للتخاطب والتواصل والتعبئة. وتمثل بصورة ما بديلا للتنظيم الحزبي. وواقع الحال أن الأحزاب بما فيها الديمقراطية الاجتماعية قطعت شوطا واسعا في التحول الى جهاز انتخابي ينتفخ زمن الانتخابات ويتقلص الى مراكز ادارية بعدها وهذا تطور فرض نفسه وليس واضحا اين سينتهي انما شكل العمل الحزبي  نفسه يرتبط بشكل الديمقراطية وممارستها في المستقبل؛ فالأفكار والبرامج في الغد قد لا تحتاج  الى " منظمة " ذات عضوية وهيئات وتراتبية فكل شيء يمكن ان يجري في الفضاء الالكتروني.

 الخط السياسي للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية سيبقى على يسار الوسط  مع حساسية اعلى لقضايا البيئة والمساواة الاجتماعية وستبقى الديمقراطية الاجتماعية مع القوى القريبة منها  البديل السياسي لليمين والقوة الاصلاحية الرئيسية على مستوى اوروبي ودولي.  وواقع الحال وللمستقبل المنظور فإن الديمقراطية الاجتماعية تبقى البديل الوحيد لليمين  أكان التقليدي أو الشعبوي وهي خسرت الكثير من الانتخابات مؤخرا بل تضاءلت كثيرا في عدد من البلدان لكنها بالمقابل فازت وما تزال في الحكم  في بلدان اخرى مثل السويد والبرتغال.

لقد كانت بريطانيا قبل اسابيع آخر محطة انتخابية لامتحان الديمقراطية الاجتماعية لكن الانتخابات كانت بمثابة استفتاء على (البريكست) ومع الأسف كانت كارثة بالنسبة لحزب العمال وليسار الحزب بزعامة جيرمي كوربن الذي قاد الانتخابات ببرنامج هو الأكثر يسارية منذ عقود؛ فحزب العمال اخذ موقفا محايدا من البريكست بسبب انقسام قاعدته نصفيا حول القضية. وكان الحزب سيخسر جزءا من قاعدته بانحيازه لخروج بريطانيا أو العكس فأخذ موقفا محايدا وهذا لم يكن نقطة قوته أبدا وقد لجأ إلى التركيز على الوضع الداخلي والتعبئة حول برنامجه الاجتماعي ولم ينجح ذلك لأن الانتخابات كما قلنا كانت بمثابة استفتاء على البريكست كما أرادها بالضبط زعيم المحافظين بوريس جونسون.  

لكن الإحصائيات لا تدعم الادعاء بأن برنامج الحزب الراديكالي نفر الناخبين وتشير الاستطلاعات أن الناخب المتوسط لم يترك حزب العمال ولم يخف من برنامجه، وعدد أصوات الحزب لم يكن أقل من الانتخابات السابقة لكن تركيز الأصوات في الدوائر كان ناجحا للمحافظين؛ إذ انسحب مرشحون مؤيدون للبريكست للتوحد خلف مرشح المحافظين في معظم الدوائر. وقد كان لحزب العمل أداء قويا نسبياً في المدن الكبرى، بينما تراجع في بقية المناطق التي صوتت لصالح الوطنية المحافظة ومبدأ الخروج من الاتحاد الاوروبي، وفي المقابل أظهرت الانتخابات عدم وجود علاقة تلقائية بين أجندة جذرية لصالح الفقراء والعمال وتصويت هذه الفئات التي لحق بنسيجها تحولات عميقة بعد عقود من حكم الليبرالية الجديدة وتراجع الصناعة التقليدية والنقابات.  وفي النهاية يمكن إضافة العامل الشخصي فلم تكن الكاريزما والجاذبية حليفة كوربين وكانت هناك تغطية إعلامية متحيزة وحملة تشويه غير مسبوقة ضد شخصه وتشهير بتاريخه ونزعته الجمهورية ودعمه السابق للجيش الجمهوري الايرلندي والاتهامات باللاسامية بسبب انتقاداته الحادة لإسرائيل ودعمه للفلسطينيين. وعلى كل حال ما يزال حزب العمال  أكبر حزب ليسار الوسط في أوروبا وهو يقرب من ضعف حجم الحزب الذي يليه أي الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني.

* مقالة خاصة بتنوير الأردن


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top