"إني اخترتك يا وطني" بين علي فودة ومحمود درويش | مصطفى صالح

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

"إني اخترتك يا وطني" بين علي فودة ومحمود درويش

مصطفى صالح

 عندما أستمع إلى مارسيل خليفة، المغني الملتزم بقضايا أمته وهو يصدح بواحدة من أجمل أغانيه "إني اخترتك يا وطني.. حباً وطواعية.. إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية"، تعود بي الذكريات إلى زمن مضى، زمن كان جميلاً، ويبدو للناظرين زاهيا وآفاق المستقبل مشرعة الأبواب، تداعب أحلامنا المتمردة.

 

كانت فترة الستينات والسبعينات حبلى بالأحداث التي تفجرت هنا وهناك، لكن ما أسرده هنا ذكريات تحمل في طياتها أحداثًا خاصة وقصيدة غاضبة، لطالما أخطأ الكثيرون في نسبتها إلى غير صاحبها.

 

ذهبنا إلى بيروت أنا والشاعر (علي فودة) لروحه السلام عام 1969، وقد أوصته أمي بي خيراً، فقد كانت المرة الأولى التي أغادر فيها عمّان، وكنا قد تخرجنا سوية من معهد المعلمين في حوّارة. كانت لنا تطلعات وأماني في عالم الأدب، وكان (علي) يحمل مخطوط ديوانه الشعري الأول - فلسطيني كحد السيف- وقد حملته جرأته وثقته بنفسه إلى زيارة دار عويدات للنشر في بيروت. استقبلنا صاحب الدار أحمد عويدات بحرارة، أعجب بعنوان الديوان، وتم الاتفاق على نشره.

 

حملتنا أقدامنا إلى مقهى صغير في شارع الحمرا للاحتفال بنجاح مسعاه. جاء النادل، وطلبنا القهوة، شربت فنجاني و(علي) ما يزال يحدق في فنجانه. فجأة، نادى النادل طالبًا منه أن يزوده بأوراق بيضاء بعد أن عرفه بنفسه. لم يستغرب النادل الطلب، فقد كان معتادا كما أخبرنا فيما بعد، أن عددا من الصحفيين والكُتاب يرتادون المقهى ويسودون أوراقا كثيرة، يتركون معظمها حيث يجلسون!

 

كنت أعتقد أن (علي) رحمه الله يريد أن يتباهى بعد أن ضمن نشر ديوانه. كان يحدق بفنجان القهوة وعلامات الحزن الممزوجة بالغضب بادية على صفحة وجهه. بدأ يكتب " إني اخترتك يا وطني..".

 

لم يكتب قصيدته بالقلم، كتبها بالألم، كنت أراقب انفعالاته وهو يكتب ويشطب ثم يعيد الكتابة، فقد عانى من ظلم زوجة أبيه بعد وفاة أمه وهي على سرير الولادة إذ أنجبت أخته ومنحتها حياة الشتات كما أخبرني. أنات الطفولة البائسة وعذابات النكبة انعكست على حياته وخلفت ندوبا عميقة داخل نفسه. ولا عجب أنه كتب بعد فترة قصيدة سجل غضبه في سطورها، ويقول مطلعها:

"عليك لعنة الرب... يا زوجة الأب.."

في اليوم التالي، (علي) أصر على زيارة جريدة النهار، وكانت آنذاك الصحيفة الأشهر في الوطن العربي، وكان صاحبها غسان تويني الأكثر قراءة بين المثقفين والسياسيين في الوطن العربي.

 

لم نلتق بغسان، إنما استقبلنا مدير التحرير فيها ميشيل أبو جودة، وقد كانت مقالته اليومية فيها تحمل الكثير من الآراء والمواقف المثيرة للجدل في مختلف الأوساط.

 

أعجب ميشيل بشخصية (علي)، كان حنطيا، ذا شعر كثيف وابتسامة لا تفارقه حتى في ساعات غضبه، كان أشبه بغجري متمرد! قرأ (علي) قصيدته الغاضبة "إني اخترتك يا وطني". همس أبو جودة لـ علي في أذنه فابتسم! وعندما غادرنا كان يقهقه، فقد دعاه إلى سهرة خاصة على العشاء .. بدوني.

 

كثيرون لا يعرفون أن صاحب "إني اخترتك يا وطني" هو (علي فودة) لا صاحب "مديح الظل العالي، محمود درويش" ولا مارسيل خليفة نفسه، ممعنين في ذلك ودون قصد في ظلم (علي)، ذلك الشاعر الثائر المنتصر بالقلم والبندقية لحلمه القصيّ فلسطين والاستثنائي حتى في مماته!


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top