ندبة على جبين الجدار | غصون رحال

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

ندبة على جبين الجدار

غصون رحال

ما الذي يدفع سائحا أوروبيا للسفر إلى بيت لحم، والنزول في فندق تطلّ جميع غرفه على جدار الفصل العنصري، سوى نشوة التحدي، والانغماس في اللامألوف.

هذا اللامألوف الذي خلق منه "بانكسي" فندقا لا تخلو فيه غرفة طول أيام السنة منذ أن شيّده في العام 2017 . حدث ذلك في الذكرى المائة لوعد بلفور، حين افتتح الفنان البريطاني " بانكسي" - وهو اسم غير حقيقي- فندقه في مدينة بيت لحم الفلسطينية، وسماه " Walled Off Hotel" ، أي فندق مسدود بجدار. صمم بانكسي غرفه بنفسه، وأحاطها بكل ما يحمل داخله من حس فني رفيع، وألحق به معرضا فنيا معاصرا يضم أعماله وأعمال فنانين آخرين.

وساعده في ذلك الفنانين سامي موسى، ودومينيك بيرتن، حتى غدا الفندق بكل مرافقه تحفة فنية رائعة الجمال، رغم أن جميع غرفه تطلّ على الجدار الاسمنتي القبيح الذي يفصل قلب بيت لحم عن باقي جسدها.

أضاء بانسكي على ما يجري في فلسطين في شهر شباط من عام 2015، من خلال فيديو قصير لا يتجاوز الدقيقتين يدعو فيها المشاهد إلى جعل سنة 2015 سنة اكتشاف ما يجري في غزة، بعد رحلة قام بها إلى هناك وكانت كافية لقلب المفاهيم التي دأب الاعلام الدولي، غير المحايد، على ترسيخها في ذهن المشاهد الغربي عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهناك، وضع بصمته التي تحمل موقفا إنسانيا راقيا على الجدار بأن رسم برج مراقبة إسرائيلي تتدلى منه أرجوحة يمرح على حبالها أطفال فلسطينيون.

أراد من خلال ما تحمله اللوحة من تناقضات، التحليق في فضاء جفت فيه منابع الإنسانية، فمنع عن الطفولة أبسط حقوقها. ثم أتبعها برسم قطة ببيونة حمراء أنيقة، تربض على أنقاض البيوت التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في غزة. وعندما سئل: لماذا قطة؟ أجاب: رغبت في إظهار صور الدمار الذي لحق بغزة على موقعي الخاص، على أن الناس على الانترنت لا يستهويهم النظر إلا إلى صور القطط الصغيرة! في إشارة إلى جعل القطة الصغيرة طُعما لشد انتباه المتابعين لموقعه، ودفعهم بالتالي إلى ملاحظة ما تخفيه القطة خلفها من خراب. "بانكسي"، فنّان حيّر بريطانيا والعالم بأعماله الفنية الصادمة.

هو شخص مجهول الهوية، لا يُعرف له شكلٌ أو اسم، وصفوه بالمخرّب تارة، وبالناشط السياسي تارة أخرى. تعدّدت أوصافه غير أنه ظلّ مجهول الهوية، فليس لرجل ثار على ثوابت الحركة الثقافية البريطانية بأعماله الكوميدية السوداء أن يكشف عن وجهه الحقيقي.

اصطنع لنفسه هذا الأسم منذ أن طبع حزمة من الأوراق النقدية من فئة العشرة جنيهات مستبدلا صورة الملكة اليزابيث بصورة الأميرة دايانا، ومحرّفا كلمتي "بنك انجلترا" إلى "بانكسي انجلترا" على النقود الجديدة. هناك من أنبأ أن اسمه "روبن غاننغهام" المولود في الثامن والعشرين من تموز عام 1973، بالقرب من مدينة بريستول، ولم يتأكد هذا النبأ، فكلّ ما يُعرف عنه أنه رجل أبيض يرتدي بنطلون جينز وتي شيرت، ومشلشل بقلادة، وحلق، وسنّ من الفضة.

يخرج في عتم الليل ليملأ حيطان المباني العامة برسومات غرافيتي تطرح إشكالات سياسية أو ثقافية أو إنسانية مسكوت عنها، فتثير زوبعة من اللغط، تتحرّك على إثرها المياه الراكدة.

بانسكي أهدى العالم هدية صادمة أخرى قبل أيام بمناسبة عيد الميلاد المجيد، بعنوان "ندبة"، وهو عمل فنيّ يصور بيت لحم، مهد المسيح، ومنارة العالم ، وهي محاطة بجدار، تتخلله قذيفة منحها شكل نجمة، لتهدي البشرية إلى طريق السلام. لا يكون الفنّ فنا إلا إذا صفع هذا العالم المنافق بحقيقته .

* كاتبة أردنية مقيمة في بريطانيا


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top