العلاقات الأردنية الإسرائيلية.. من البرود إلى التوتر

آخر الأخبار

العلاقات الأردنية الإسرائيلية.. من البرود إلى التوتر

عمان – تنوير

 

استعرضت دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار” ضمن تقييم اتفاقية وادي عربة بعد ربع قرن على توقيعها، علاقات الأردن وإسرائيل وتحولها من حالة برود لحالة توتر.

 

وحسب “مدار” تهدف هذه الورقة إلى تحليل واقع العلاقات الأردنية- الإسرائيلية، في ذكرى مرور 25 عاماً على توقيع اتفاق السلام بين البلدين، وتنطلق من مقولة أن العلاقات الثنائية آخذة في التوتر في الأعوام الأخيرة بعد أن بدأ اليمين الإسرائيلي يُصعد من خطاب ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة من جهة، ومن خطاب تهويد القدس وتعزيز السيطرة على المسجد الأقصى من جهة أخرى.

 

وليس ذلك فقط، فعلاوة على ذلك تأزمت العلاقات بسبب اتخاذ الحكومة الإسرائيلية خطوات لم تحمل احتراماً للأردن وحكومته وقيادته، كما حدث مثلاً في حادثة اعتقال المواطنين الأردنيين إدارياً، وما رافق ذلك من حملة احتجاج شعبية عارمة في الأردن تطالب بالإفراج عن الأسرى الأردنيين ومعاقبة إسرائيل على ذلك لدرجة قطع العلاقات بين البلدين.

 

تستذكر الدراسة التي نشرتها صحيفة "القدس العربي"، في مقدمتها خطابا ألقاه الملك الأردني عبد الله الثاني في نيويورك، بيّن بشكل صريح تأزم العلاقات بين البلدين، حيث قال في كلمته إن العلاقات الأردنية- الإسرائيلية وصلت إلى الحضيض في الأعوام الأخيرة (وتحديدا في العامين المنصرمين)، واعتبر أن السبب في ذلك يعود إلى الوضع السياسي الداخلي في إسرائيل، وأعرب عن أمله في أن تتشكل حكومة في إسرائيل تضع مسألة السلام في رأس أولوياتها.

 

وفي خطاب آخر ألقاه الملك في نفس الزيارة، في معهد واشنطن لدراسة الشرق الأوسط، والمعروف بدعمه لإسرائيل وبعلاقاته مع جهات داعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، أوضح أن “المشاكل مع إسرائيل هي التبادلية”، وأضاف أنه في العامين المنصرمين لم تستطع الدولتان حل “قضايا بسيطة” بينهما، معربا عن أمله في إقامة حكومة في إسرائيل “وأن نستطيع مناقشة المشاكل التي لم ننجح في نقاشها في العامين المنصرمين”.

 

وأضاف الملك أنه يدرك أن هناك مشاكل سياسية في إسرائيل، موضحا “أن ذلك لا يُمكن أن يكون على حساب ما قاتل من أجله والدي ورئيس الحكومة الإسرائيلية المرحوم إسحاق رابين وسعيا إلى تحقيقه”. مؤكدا في موضع آخر في خطابه أن “حل الدولتين هو الحل الوحيد الممكن للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وغير ذلك من البدائل سيكون سيئا للجميع”.

 

تحذيرات إسرائيلية

 

وتستحضر الدراسة تحذيرات إسرائيلية من تدهور العلاقات مع الدولة ذات الحدود الأطول مع إسرائيل، منها ما قاله الدبلوماسي الإسرائيلي السابق والباحث في “معهد دراسات الأمن القومي” عوديد عيران الذي كتب مقالا بعنوان “لا تهملوا الأردن”، يؤكد ما جاء على لسان الملك الأردني.

 

في مقاله أشار عيران إلى أن أي حكومة سوف تؤلف في إسرائيل عليها أن تضع العلاقات مع الأردن في سلم أولوياتها، مشيرا إلى أن هناك أموراً تحدث في هذه العلاقات، مؤكداً أن الحكومة الإسرائيلية الأخيرة لعبت دورا مركزيا في تدهور العلاقات مع الأردن.

 

في المقابل تتنبه هذه الدراسة أيضا أن التعاون الأمني بين البلدين مستمر، وفيما غير ذلك من مجالات فإن العلاقات في تدهور كامل مع تأكيدها على الموقف المعادي للرأي العام الأردني لإسرائيل.

 

من جهة أخرى يعتبر أرييل كهانا، المُحلل السياسي في صحيفة “يسرائيل هيوم” التي تعتبر بوقاً لرئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، أن هناك مبالغة في مسألة الكلام عن تدهور العلاقات مع الأردن، حيث يساهم أصحاب مناصب سابقة في إسرائيل من الجهازين الأمني والدبلوماسي في التركيز على نصف الكأس الفارغة في العلاقات مع المملكة، ولا يتحدثون عن النصف الآخر الممتلئ من الكأس، والذي يتعلق بوجود مصالح استراتيجية مشتركة بين البلدين لا يمكن مع وجودها زعزعة العلاقات بينهما.

 

ويضيف كهانا: “رغم ما يقال في الخارج، فإن المصالح الثنائية هي ما تُحدّد التوجهات. إسرائيل تمنح الأردن ظهيراً استراتيجياً يمكّنه من مواجهة التحديات. وإسرائيل تدعم بقاء الأردن كمملكة هاشمية وتعارض فكرة الأردن هو فلسطين. وإسرائيل تمنح الأردن مكانة قوية في الأقصى وتبيع له الغاز بسعر منخفض جدا، وتزوده بعشرة في المئة من استهلاك الماء العام بسعر التكلفة، وتسمح بتزويد المنتوجات الأوروبية للأردن من خلال ميناء حيفا ونقاط الحدود”.

 

ويضيف: “المقابل الأردني لذلك ليس المال فقط، وإنما شراكة حقيقية مع إسرائيل في تهدئة الفلسطينيين في الأقصى والمنطقة عموما. وفوق كل ذلك يشكل الأردن عمقا استراتيجيا أمنيا لإسرائيل- المصلحة الوحيدة تقريبا التي تعنينا”.

 

ملامح التوتر في العامين المنصرمين

 

وتوضح الدراسة أن العلاقات الأمنية بين الأردن وإسرائيل تميزت بالثبات والتعاون، لا سيما بعد اندلاع الثورات العربية وسيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة. حيث تعزز التعاون في مواجهة هذه التحديات. وتستذكر ما جاء في وكالات الأنباء بأن إسرائيل زوّدت الأردن بست عشرة طائرة “كوبرا”، خرجت من الخدمة العسكرية الإسرائيلية، وذلك ليستعملها الأردن في الحفاظ على حدوده ضمن جهوده لمحاربة تنظيم “الدولة”. كما أجرى الأردن وإسرائيل والولايات المتحدة وسنغافورة تدريبا جويا مشتركا في صحراء نيفادا وذلك لمحاكاة ضربة جوية أو قتال جوي تشترك فيه دول عديدة. وقد غادرت الطائرات الحربية الأردنية والإسرائيلية قواعدها إلى صحراء نيفادا حيث زودت إسرائيل الطائرات الأردنية بالوقود خلال السفر عبر الجو، والذي اعتبر تعزيزا للتعاون العسكري بين الجانبين.

 

غير أنه في العامين المنصرمين، وكما ذكر الملك الأردني أعلاه، شهدت العلاقات توتراً كبيراً، توجز الدراسة أسبابه بما يلي:

أولاً، الموقف الأمريكي الذي أعطى دفعا لمخططات اليمين في الضم ومحاولة إنهاء حل الدولتين، والاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، والتجاهل الأمريكي لموقف الأردن في الملف الفلسطيني ومصالحه، حيث يُشكل حل الدولتين مصلحة إستراتيجية أردنية.

 

في هذا السياق، يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا والمتخصص في الشؤون الأمريكية، آفي بن تسفي، إلى أن زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس تمثل مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية نحو تعزيز الشراكة بين الدولتين.

 

ثانياً، التوتر في المسجد الأقصى ومحاولات إسرائيل تعزيز سيطرتها على الحرم الشريف وتقليص الدور الأردني المتمثل في حماية الأوقاف الإسلامية فيه، ووصلت ذروة هذا التوتر في أحداث البوابات الإلكترونية، حيث يرى الأردن أن مكانته في الحرم القدسي الشريف هي جزء من شرعية النظام الملكي.

 

ثالثاً، الحديث الإسرائيلي الدائم عن ضم مناطق في الضفة الغربية وكان آخرها حديث نتنياهو عن ضم منطقة غور الأردن.

رابعاً، إهانة مواطنين أردنيين واعتقالهم، وكان آخر ذلك عملية اعتقال الناشطة الأردنية هبة اللبدي ومواطن أردني آخر، والتي وقف فيها الأردن موقفا حازما، حيث استدعى السفير الأردني في تل أبيب احتجاجا على اعتقالهما، وتم ارجاع السفير بعد الإفراج عنهما.

 

كما تستذكر الدراسة أن التوتر الكبير في العلاقات الأردنية- الإسرائيلية قد تأجج في أعقاب أحداث المسجد الأقصى ووضع البوابات الإلكترونية، وبعد أحداث السفارة الإسرائيلية وقيام حارس فيها بقتل مواطنين أردنيين، وقد زاد التوتر بعد الاستقبال الاحتفالي المتلفز الذي قام به نتنياهو للسفيرة والقاتل.

 

وبرأي الدراسة، ساهم هذان الحدثان في توتير العلاقات بين البلدين بشكل كبير، ولكن أثبت الأردن أن وقوف الدولة على مطالبها يؤدي إلى قطف ثمار ذلك لاحقا. فإسرائيل برغم قوتها تحتاج إلى العلاقات مع الدول العربية أكثر من علاقة الدول العربية معها. والتوتر مع الأردن في السنة الماضية أثبت ذلك بشكل كبير.

 

في سياق الحديث عن رد الفعل الأردني، تشير الدراسة لإعلان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم 10/11/2019 فرض سيادة الأردن الكاملة على أراضي الباقورة والغمر التي استأجرتها إسرائيل على طول الحدود المشتركة بين الدولتين، وكان لها حقّ التصرّف بها لمدة 25 عاماً بموجب ملحقات معاهدة السلام الموقّعة بين الجانبين.

 

وفيما بعد احتج الأردن بشدة على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف المساعدة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي خطوة من شأنها تأجيج الأجواء وسط نحو مليوني لاجئ فلسطيني يسكنون في المملكة، ويشكلون عبئاً اقتصادياً إضافياً على صندوق الدولة التي تواجه استيعاب نحو مليون ونصف مليون لاجئ من سوريا، وعشرات آلاف اللاجئين من العراق، وديناً عاماً يتجاوز 40 مليار دولار.

 

كما توضح الدراسة أن الأردن يلاحظ جيداً عدم الاكتراث الذي تظهره إسرائيل حيال مشروع قناة البحرين، رغم الاتفاق الموقع في عام 2015، والذي عند الانتهاء منه يمكن أن يساعد الأردن في التغلب على النقص المزمن في المياه.

 

وللتدليل على ملامح التوتر تشير الدراسة لما كتبته الكاتبة الإسرائيلية اليمينية كارولين غليك، في مقال نشرته مؤخرا، إلى أن على إسرائيل أن تقوم بردع الملك الأردني، وخاصة في أعقاب التدريب العسكري الذي قام به الجيش الأردني مؤخرا، معتبرة أن إسرائيل نسيت أن تردع الأردن أيضا.

وتقترح غليك على إسرائيل اتخاذ خطوات لردع الأردن وجيشه “العدائي” كما وصفته، وذلك من خلال خطوات تقترحها كوقف ضخ الماء، وإلغاء مكانة الأردن في الحرم القدسي وزيادة الحضور العسكري الإسرائيلي في طول الحدود الأردنية، وكذلك ترهيب الأسرة المالكة.

 

في تلخيصها تشير الدراسة الى ان إحياء ذكرى مرور 25 عاماً على توقيع اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن اتسم بالكثير من الإشارات إلى حقيقة أن العلاقات الثنائية بين البلدين آخذة في التوتر أكثر فأكثر، ولا سيما في الأعوام الأخيرة.

 

وتضيف: “لا بدّ من القول إن أهم أسباب هذا التوتر تعود أولاً إلى قيام اليمين الإسرائيلي بتصعيد خطاب ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة والذي تمثل آخر مظاهره بإعلان نتنياهو نيته ضم غور الأردن، إلى جانب تصعيد خطاب تهويد القدس وتعزيز السيطرة على المسجد الأقصى”.

 

وتخلص الدراسة للقول: “مع أن ردود الفعل الصادرة عن المحللين الذين يعبرون عن خطاب اليمين تقرّ بهذا التوتر إلا أنها في الوقت نفسه تؤكد وجود مصالح استراتيجية مشتركة بين البلدين لا يمكن مع وجودها زعزعة العلاقات بينهما”.

 

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top