فيسبوك.. هل تغيّر مذاق الصداقة أم خطفها منا زمن السرعة؟

فيسبوك.. هل تغيّر مذاق الصداقة أم خطفها منا زمن السرعة؟

تنوير – خاص

من: سوسن مكحل

 "بَكى صَاحِبي لمّا رأى الدربَ دُونه .. وأيقنَ أنا لاحقانِ بقيصرا"!

 هكذا يقول أشعر الشعراء امرؤ القيس لصديقه عمرو بن قميئة. الشاعر..

هل البكاء حالة قصوى من المشاعر توحد صديقين..أم هو تهافت في المشاعر فرضته الحياة في ظل تنامي الراحة شعوريا بتمثل دور الضحية!

هل أنت على يقين أنك تعرف معنى الصداقة تماما؟ وهل تختار صديقك اليوم بطريقة مغايرة عن الطريقة التي كنت تنتقي فيها صداقاتك في السابق؟

لماذا؟

 هل تعرضت لخيانة صديق؟ لهروب من صديق لم يعد يشبه ما يجمعك به؟

ماذا عن أصحابك اليوم وبماذا ترتبط معهم بقيمة "الثقة" أم تجمعك بهم قيمة الوفاء في أوقاتك العصيبة، أم لعلك تبتغي من الأصدقاء حلم الحب غير المشروط!

شائكة هي أسئلة العلاقات في الحياة ولا سيما في الصداقة نتيجة اختلال مفهوم القيمة العليا عن رداءة الواقع.

هل ما تزال الصداقة تكتنز بمذاقها أم خطفها زمن السرعة العجول؟

 لربما كلها أسئلة لم تجل بخاطرك في عالم صارت فيه "الصداقة" تذهب في منحى تقني وآلي يرتبط بالتواصل مع الصديق بالإعجاب والتعليق والقلوب الفائضة بالتعابير الصماء من "الإيموجي".

هل باتت المشاعر زائفة أم أسلوب اليوم طريقة عجلى في زمن السرعة للتعبير عن مكنون حقيقي ولكن الزمن تغير؟

 مفهوم الصداقة

تعرّف الصداقة بأنها ميل يربط شخصين أو أكثر على أساس الثقة والمودة والتعاون على أعباء الحياة بينهما، وهي مشتقة من "الصدق"، وقد استخدمت في اليونانية القديمة نفس الكلمة لكلمة "الصديق" و "المحب" بناءً على تفسيرات أفلاطون وأرسطو لمفهوم الصداقة.

لعل هذا ينطبق أيضا على حب الصحابي أبي بكر الصديق للرسول عليه الصلاة والسلام؛ وكثيرة هي المواقف التي دلت على تلك المحبة الكبيرة حتى قبل ظهور الإسلام؛ فهو الصديق الصدوق الصّديق منذ بزوغ الرسالة.

في حادثة يوم الهجرة حين انطلقا إلى الغار كان أبو بكر الصديق نعم الصديق  للنبي وأثبت استعداده بأن يفتديه بنفسه تجاه المخاطر التي تحيط به فكان يمشي ساعة لأمامه وساعة خلفه تحسبا على روح صديقه، ولم يقتصر خوف الصديق على رسول الله مما قد يلحق به من الأعداء، وإنما كان خوفه عليه من حر الشمس التي قد تؤذيه، ففي الحديث: (حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه).

بعد ذلك يروي أبو بكر عن رحلته التاريخية التي ما تزال تروى منذ 15 قرنا أنه لما كان مع النبي في الهجرة كان يشعر بالعطش الشديد فجاء الصديق للنبي بمذقة لبن. ويتابع الصَديق الصدّيق: ناولتها للنبي ورجوته أن يشرب.. (فشرب النبي حتى ارتويت)!

هل ثمة صداقة أجمل؟

ووري الصديق إلى جانب رسول الله، فكانا صاحبين متجاورين في الرحيل كما كانا صديقين متحابين في الحياة.

هل للأصدقاء صفات وشروط؟

ثقة. أمان. صدق. محبة. انسجام. إخلاص. تفاهم؛ جميعها مفردات مرتبطة بمعنى الصداقة كما هو معلوم؛ ولربما يختار أحدنا صديقا لتوفر إحدى تلك الصفات دون غيرها؛ أو هي مجتمعة.  

الاختلاف يجعلك تراجع ما بين يديك من صداقات. وهل هي على كثرتها في عالمنا اليوم تفي بما تحتاجه في حياتك في ظل الوجود الغزير للأصحاب والأصدقاء حولك في علام اسمه افتراضي.

لا شك أنك مررت بصديق غاب مع الأيام ما تزال تذكر نبل أخلاقه في زمن ما، حتى عاد مؤخرا إليك من صفحات "وسائل التواصل الاجتماعي" يقبل عليك مرحبا مهللا في لقائه بك اليوم.

أتراه تغير؟ بدّله العمر وغيرته التجارب؟ هل ما تزال صديقه القديم؟ وهل شعرت للحظة أن هذا الصديق العائد من طفولتك أو شبابك هو نفسه صاحبك الحقيقي أم "الافتراضي" الرقمي الخالي من تلك العواطف التي كانت. هل سيقف معك في الشدائد والمصائب (إذا كان وقف في سالف العهد) .أم سيكتفي بوضع "إعجاب" على منشور تنتحب فيه  و/أو "تعليق" ساذج على مصيبة تلف عمرك من جديد.

الصداقة الافتراضية

هكذا بكل بساطة غيّر فيسبوك وخلخل حتى البِنى والمفاهيم العامة لـ "الصداقة" في حياتنا وتواصلنا وتعاملنا مع مشاعرنا وأحاسيسنا.

ستذهب لمقهى أو مكان مزدحم فتلتقي وجوها جديدة؛ ثم تتبادل ربما أرقام الهواتف وبروفايلك على فيسبوك وسريعا ..بعد ساعات  ربما.. ستصبح أنت وكل هؤلاء الغرباء أصدقاء (كلوز) مقربين!

"لكن الصداقة الحقيقية تتطلب المزيد والمزيد؛ فهل هذا يعني أن أصدقاءك على فيسبوك ليسوا أصدقاء حقيقيين؛ بل مجرد "افتراض" ووهم رقمي؟ أم أن العزاء في أن هناك من القصص الناجحة وقعت فعلاً على فيسبوك وأثبت العكس". 

وسائل خلت من عصر "امرئ القيس" وكانت ضربا من الخيال والمستحيل في اختيار  صديق صلب لا يبكي فيه الصديق حين يوقن أنه معك وأنكما لا ريب لاحقان بقيصرا! أن قبل بالنتائج؛ فالصداقة يفترض فيها التضحية أولا والوفاء والانسجام والتسليم بوحدة المصير.

 

هل ينقل الفيسبوك احساسك "الكامل"

ماذا لو كانت الأجهزة ووسائل التواصل الاجتماعي تفعل الشيء نفسه من أجل الصداقة؟ وتنقل "إحساسك" الحقيقي؛ لن تشعر حينها بهاجس عدم وجود أصدقاء في حياتك، وسترى أن حياتك مليئة مدججة باستثناء شعورك الدائم بحلو مذاق كتابة شوق لصديقك أو بيت شعر أو مقطع من قصيدة أو أغنية كان لها وقعها في زمنك.

 

يقول علم النفس..

يقول مسؤول المحتوى والكاتب في مجلة الصحة في صحيفة "نيويورك تايمز"؛  (بنديكت كاري):  من وجهة نظر علم النفس في ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي فإن :"هدفها إعطاء الإعجاب غير المحدود. والعمل على إظهار التماهي مع محتوى معين أو رسائل أو مواقف، ونقل التعاطف بين الأصدقاء".

في الوقت نفسه يعد الأمر من الناحية العلمية كما يقول كاري؛ شكلا من أشكال توليد التعاطف الظاهري يتطلب فقط نقرة على لوحة المفاتيح!

ولأن الصداقة تبقينا على قيد الحياة ، لذلك فلا حزن أكبر من أننا نشعر بالقلق مما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي من "فيسبوك وتويتر" وغيرها.. قد قضت على الصداقة بمفهومها النقي الفسيح.

أستاذة علم النفس بجامعة أكسفورد روبن دونبا تقول في بحث حول العلاقات والصداقة على "الفيسبوك" ونشر في صحيفة "أمريكا اليوم" أنها وجدت في المتوسط ما مفاده قدرة الشخص في أن يعتمد على 15 شخصا من أصدقائه على فيسبوك للحصول على الدعم العاطفي أثناء الأوقات الصعبة.

وقالت الدراسة "إن الصداقات، على وجه الخصوص، لها معدل انحسار طبيعي في حالة عدم الاتصال، وتعمل وسائل التواصل الاجتماعي بشكل جيد على إبطاء معدل اختفاء العلاقات بين الأصدقاء بسبب التواصل المستمر غالبا.

هذا كلام  خطير!

فقد تتطور الآليات التي نستخدمها للتواصل كما يقول التقرير المنشور بعنوان "هل صداقات فيسبوك وهمية"؛ لكنها  لن تغير أسس الصداقة الأبدية على المستوى الشخصي. أي كما قال أرسطو قبل زمن بعيد: "الصداقة مسكن وحيد في جسدين".

هل للصداقة من مستقبل

يقول مارك زوكربرج مؤسس فيسبوك في آخر تصريحاته، إنه يطمح أن يصل عدد المشتركين في العالم على شبكته إلى 5 مليارات من أصل 7 مليار في العالم نهاية العام 2030.

جميع هؤلاء المشتركون تغنوا وقالوا: إن مواقع التواصل الاجتماعي تقوم بتدمير الصداقة التي تعني بالضرورة وجود السعادة! توافقا لما تهب إليه أحدث الدراسات الكندية التي خلصت إلى أن الابتعاد عن"فيسبوك" يمكن أن يساهم في الشعور بسعادة أكبر.

ميك ويكينغ، المدير التنفيذي لمعهد "ذا هابنيس" البحثي، قال إن النتائج استندت على استطلاع استمر سبعة أيام، وشمل 1095 مستخدما للفيس بوك، تم تقسيمهم لمجموعتين.

وأوضحت الدراسة التي نشرت في وكالة الأنباء الألمانية؛ أن المجموعة التي قاطعت فيسبوك كانت أقل توترا وأكثر حسما، وشملت الدراسة مستخدمين دانماركيين لفيسبوك تتراوح أعمارهم ما بين 17 عاما ومن هم في السبعينيات من العمر.

لذلك

اليوم وفي ظل الأثر على صحتك النفسية ومفهوم الصداقة "الافتراضي".. أنت مضطر لحسم خيارك في قبول صديق "افتراضي" تعوّل عليه!

 يجب عليك في فيسبوك أن تتذكر أنك قد لا تلتقي بهذا الصديق الجميل أبدا وجها لوجه.. وربما لن تصل علاقاتك إلى أوجها من الصدق والصراحة والانسجام مهما طال زمنها على الفضاء الأزرق .. فهل هذا هو الصديق/الغياب الذي تبحث عنه؟!

وهل يكفيك وجهٌ حزين تعزية في مصيبة  أو وجه ضاحك يحاول أن يفرح لنجاحك؟

أيا تكن الدراسات والاستطلاعات والإحصاءات يظل السؤال ملحا:

فيسبوك.. هل تغيّر مذاق الصداقة أم سرقها منا العصر الرقمي؟

 

 

 

 

 

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top