التنوير ما بين الكسل والجُبْن والتربية العقلية | رولا فايق نصراوين

التنوير ما بين الكسل والجُبْن والتربية العقلية

رولا فايق نصراوين

 

 

عندما سُئل الفيلسوف "إيمانويل كانت" عن مفهوم التنوير قال: "هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان آخر".

في الحقيقة، أننا كثيراً ما نقصّر في أداء واجبنا كأفراد يبتغون التنوير ومثقفين تجاه المجتمع الذي نعيش في كنفه، وربما يعود ذلك لسببين أساسيين: الكسل والجُبن؛ فتكاسل الناس عن الاعتماد على أنفسهم في التفكير أدى من جهة إلى تخلّفِهم، ومن جهة أخرى هيأ الفرصة للآخرين لاستغلالهم، ووضع القواعد والقوانين والأنظمة لسلوك حياتهم، وبالتالي السيطرة على طريقة تفكيرهم من خلال فكرة الوصاية، وذلك بسبب عامل الخوف فيهم؛ لذا أصبح من الصعب عليهم استعمال مواهبهم الطبيعية بسبب القيود أو القصور أو العجز. 

هذا بالضبط ما رآه الفيلسوف "كانت"، وهو، بالمناسبة، فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر، وكان آخر (الفلاسفة المؤثرين) في الثقافة الأوروبية الحديثة وآخر فلاسفة عصر التنوير.

وعلى الرغم من تأييد " إيمانويل كانت" لمبادئ الثورة الفرنسية، إلا أنه رأى أن تغيير اتجاه العقول من الاعتماد على الغير إلى الاستقلال الذاتي أمرا لا ينفع فيه تحول مفاجئ كالذي يحدث في الثورات، وإنما تعينُ عليه التربية العقلية والنقدية واعتبر الحرية مطلبا أساسيا لنشأة التنوير واستمراره.

نحن اليوم أمام مطلب جوهري وأساسي لتحقيق التنوير المطلوب في المجتمع العربي وهو التربية العقلية وبناء القدرة النقدية؛ فتربية الأفراد داخل المجتمعات تتطلب الكثير من الجهد والتخطيط والبناء والعمل الجاد بدءً من خلق واقع تعليمي جديد لصغار السن من خلال الخروج عن المفاهيم السطحية ونهج التلقين الذي اعتدناه منذ عشرات السنين إلى توجيه العقول الإنسانية نحو البحث العميق والتفكير النقدي والفهم والإدراك والتمييز، وبالتالي الوصول إلى حقائق منطقية وعادلة ومتزنة ومقبولة.

إننا اليوم مع الأسف نفتقر للتربية العقلية والنقدية؛ فانحراف العقل عن السبب الذي خلق من أجله من حيث الفهم والإدراك والتعقل بمعنى الإحكام والإلجام والسيطرة، وفشله في إنتاج المعرفة والتمسك بالمسلمات، والتمترُس خلف الغيبيات والتشبث بالموروثات وضع على كاهل التنويريين مسؤولية كبيرة من العمل من أجل تغيير سلوك الأفراد داخل المجتمعات.

إن المطلب الآن (تنمية البشر) وتحرير العقل العربي من غيبياته من خلال خلق ثقافة التربية العقلية والنقدية، وذلك بأن ندرك معنى ووظيفة العقل من خلال التمييز والفهم والنقد؛ غير مقتصرين اهتماماتنا على المتطلبات الجسدية، مدربين الأفراد على البحث وعدم التسليم بما يتم تداوله دون استيفاء الأدلة الصحيحة غير قابلين بالمسلمات، ومدركين للنتائج قبل إصدار الأحكام بشكل عشوائي.

 لا نستطيع أن نطالب بمجتمع فاضل ومثالي ونحن نقول ما لا نفعل، ولا ونحن نصلّي بما لا نؤمن به، ونردد ما لا نفهم، مطبقين القانون على الآخر ومستثنيين أنفسنا منه مترفعين عن الجهل ونحن غارقون فيه. عندما يصبح العقل العربي غير مغيّب ذهنياً عالماً بحقيقة نفسه والعالم مدركاً للحق والعدالة، سيكون قادراً على التأثير على المجتمع وقادرا على خلق فرص جديدة.

لم يطلب "إيمانويل كانت" من العالم المستحيل آنذاك كي يحرر عقله ويدخل حقبة التنوير إلا من خلال صرخته المعروفة عبر التاريخ:

"أعمِلوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم، ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب. تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر".

مناسبة هذا المقال؛ أني أردت أن أبارك لأصدقائي إدارة وفريق عمل موقع "تنوير الأردن" وأن أضع على عاتقهم مسؤولية كبيرة للانفتاح على الآخر، وتقبل الرأي والرأي الآخر، والعمل على التفكير خارج الصندوق العربي المغلق بإرادتنا.

كل أمنيات التوفيق لـ تنوير الأردن ونتطلع من خلالكم للإعلام وفكر حر.

 

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top