مصطفى حمارنة.. عصفور في قفص | زياد بركات

مصطفى حمارنة.. عصفور في قفص

زياد بركات

لم تمطر في عمّان رغم أني تزودت لها بملابس ثقيلة خلال إجازتي القصيرة، لكن مطراً دافئاً وحنوناً كان يهطل على كتفيّ طيلة أسبوعين قابلت فيهما أصدقاء نأت بيننا الأيام فشبنا وشابوا.

هاتفني ياسر أبو هلالة، وهو صحافي أردني معروف، لم نفلح، هو وأنا، في تدبير لقاء في الدوحة، حيث نقيم كلانا، على فنجان قهوة خلال عام كامل، فدعوته لتناول الغداء في بيت والدتي في عمان. كان الطقس خريفياً. طلب مني أن أمهله دقائق قليلة ليقرر، وهو ما كان.

بعد الغداء اقترح عليّ أن أرافقه إلى منزل الدكتور مصطفى حمارنة الذي دعاه برفقة وزيرين سابقين وناشر موقع إلكتروني على العشاء. ترددت قليلاً فحسم الموقف بالقول إن العشاء على شرفه ويستطيع دعوة من يشاء، ثم إنه مصطفى حمارنة، الذي لا أخفي إعجابي الشخصي الكبير به.

مثقف على النمط الأوروبي، عضوي إذا شئت بحسب تعريف غرامشي، بلحية غيفارا إذا تطرفت في الوصف. يقيم في فيلا جنيفر، زوجته التي توفيت لكنها لم تغادر حياته، فترك اسمها على مدخل البيت، وربما كانت تطوف في أرجائه بينما كنا نتناول العشاء.

حمارنة الفلسطيني من أصل أردني، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية سابقاً، النائب في البرلمان (سابقاً) ورئيس مجلس إدارة الإذاعة والتلفزيون (سابقاً) ما يزال حاضراً وراهناً في مشهد سياسي يحرص على دفعه برفق بعيداً؛ فالرجل الذي يعتبر جزءاً من النادي لا يتمتع بمواصفات العضوية المرغوبة، فهو ليس ابن عشيرة كبيرة ومتنفذة، وليس ابناً للمؤسسة الأمنية، ولا عضواً في نادي الأثرياء. هذا يجعله عضواً في النخبة المثقفة أكثر منه في النخبة الحاكمة، ما يفسر التوجس منه بل وشيطنته بين حين وآخر، لكن وجوده يظل مرغوباً في نطاق ضيق، فلا بأس أن يكون مشاغباً، على هامش المؤسسة، تجريبياً لا مكرّساً وصانع سياسات.

خلال ترؤسه لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أشرفَ حمارنة على أكثر التقارير والاستطلاعات جرأة، وبدا كأنه ضمير البلد، لكن من تقبله رئيساً لذلك المركز حاربه خارجه، وتجربته خلال عمله البرلماني تقدم دليلاً على مأزق السلطات في التعامل معه: تريده ضمن حدود ترسمها هي لكنها لا تتحمله عندما يغرد على طريقته هو. يشبه ذلك عصفوراً في قفص، ما أجمله طالما هو في قبضتك، لكن ماذا لو قرر أن يحلق بعيداً عنك مستجيباً لنداءاته الداخلية هو ولطبيعته لا لإكراهات القفص؟!! عندها يُترك وحيداً مع دعوات بأن يسقط العصفور بحجر عابث.

طالب حمارنة بحقوق مدنية كاملة لأبناء الأردنيات، بتحرير الدولة من بِنى وسلطات ما قبلها، من عشائرية ومناطقية وسواها، فحورب بشراسة، واتهم بما ليس فيه، فإذا هو بحسب مقال اطلعت عليه فلسطيني يريد هدم الدولة وتحويل مواطنيها إلى هنود حمر!!!

ويحمد له أنه ليس انتحارياً، ويتمتع بشجاعة البقاء في الملعب حتى الدقيقة الأخيرة، فلم ينعزل بل واصل اشتباكه الدائم، الحيوي، النقدي والجذري، مع مؤسسات الدولة طيلة الوقت.

يقول ياسر إنه يزرع خضاره التي يأكلها في حديقة بيته. كان العشاء مقلوبة، وثمة قلاية بندورة وفجل على المائدة. يعتذر حمارنة لأن المقلوبة طُبخت بالفول الأخضر. كان يريدها بالزهرة (القرنبيط) لكن محصوله من القرنبيط هذا العام غير مناسب: هذا رجل يزرع بيديه ويعرف أرضه ولا تؤرقه لعبة الهويات الخادعة.

* مقالة خاصة لموقع تنوير الأردن.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top