الإدارة الأميركية والمصالح العربية | الدكتور مروان المعشر

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الإدارة الأميركية والمصالح العربية

الدكتور مروان المعشر

 

استبشرت العديد من الدول العربية لقدوم ترامب للسلطة، واحتفت بهذا القدوم لأسباب عدة؛ فقد اعتقد البعض أن الرئيس ترامب، خلافا لمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، سيتخذ موقفا أكثر تشددا من إيران ومن الاتفاق النووي الإيراني الأميركي الذي رأوا فيه ضوء أخضر لمزيد من التدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة.  ولدى إلغاء ترامب لهذا الاتفاق وفرضه عقوبات أوسع على النظام الإيراني، تعزز الاعتقاد أن إدارة ترامب ستقف بقوة مع دول الخليج ضد التهديدات الإيرانية. 

 

بعد ثلاث سنوات من إدارة ترامب، بات واضحا ان الرهان على هذه الإدارة من قبل العديد من الدول العربية كان في غير محله؛  ففي الموضوع الإيراني؛ لم ينخفض حجم التدخلات الإيرانية في المنطقة بسبب ترامب بل زاد حتى وصل حد استهداف سفن النفط في الخليج العربي والمنشآت النفطية في المنطقة العربية السعودية وغيرها من التدخلات السابقة، إضافة إلى استئناف إيران لبرنامجها النووي وإلى تفكك التحالف الاميركي الأوروبي ضدها.

 

أثبت ترامب في الموضوع الإيراني أن موقفه من إيران لفظي أكثر منه جدي، وأن اميركا لم تفعل شيئا عندما تعرضت المنطقة للهجمات المذكورة أعلاه، بل يبدو أن ترامب يهدف إلى الخروج من منطقة الشرق الأوسط بأي وسيلة، يثبت ذلك موقفه من الأزمة السورية؛ حيث أدار ظهره لحلفائه من الأكراد، وأبدى عدم ممانعته  في التحاور مع إيران بشأن اتفاق شبيه باتفاقه مع كوريا الشمالية حتى  يكمل انسحابه من المنطقة.  

 

 

 

أما  في الموضوع  الفلسطيني فإن سياسات ترامب، بما فيها من دعم مطلق لإسرائيل وتجاهل تام للحقوق الفلسطينية والعربية،  فهي تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية و قتل أي مشروع يهدف الى حل الدولتين. من شأن هذه السياسات التسليم  بضم القدس بكاملها إلى إسرائيل وقطع كافة المساعدات عن اللاجئين الفلسطينيين في محاولة لسحب هذين الملفين بالكامل من التفاوض. كما أن اعترافه بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وتلويحه مستقبلا بفرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن،  يصب تماما ضد المصالح العربية، وبالأخص الاردنية وذلك في حال تهجير المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني ومحاولة حل النزاع الفلسطيني الاسرائيلي دون حل الدولتين وعلى حساب الأردن. وقد وصل الحال بهذه السياسة إلى إصدار قانون أميركي يمنع بموجبه انتقاد إسرائيل بحجة معاداة السامية.  

 

ومن الواضح أن الرئيس ترامب ينظر إلى العرب والمسلمين بنوع من الفوقية منذ أن أتى للسلطة؛  فلم يكد يبدأ عهده حتى أصدر أمرا بمنع مواطني سبع دول عربية وإسلامية من السفر للولايات المتحدة ما استوجب تدخل السلطة القضائية الأميركية للتخفيف من هذا الإجراء الذي اعتبرته ضد الدستور الأميركي. ثم رفض الرئيس ترامب استقبال أي زعيم عربي رسميا قبل أن يستقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو.

 

أما في موضوع الحريات و حقوق الإنسان؛ فإن واقع الحال في الولايات المتحدة يشير إلى أن التزام الولايات المتحدة بالحريات خارج بلادها لا يتعدى المواقف اللفظية في عهد الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.  قد يتكلم الديمقراطيون بشكل أكثر عن الحريات، ولكنهم لم يفعلوا شيئا تجاهها.  وحين تكلم الجمهوريون عن الحريات شنوا حربا على العراق ما تزال المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم. 

 

ماذا لو تم التجديد للرئيس الأميركي؟ ليس من الإجحاف القول أن النتائج ستكون كارثية على الموضوع الفلسطيني والحقوق العربية بشكل عام.  كما أنه ليس من المستبعد أن تعقد الولايات المتحدة اتفاقا مع إيران يؤدي إلى انسحابها من المنطقة وتفاقم التهديد الإيراني لجيرانها بدلا من العكس.

 

هل يهدف هذا المقال لدعوة الدول العربية لتأييد الديمقراطيين في الانتخابات الاميركية الرئاسية بعد عام؟ أبدا. خلاصة القول أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لم تكن يوما مناصرة للحقوق العربية كما يعرفها العرب، بل كانت مناصرة لمصالحها كما تعرف هي هذه المصالح بما في ذلك مناصرتها المطلقة لإسرائيل. 

 

لقد حان الوقت للعالم العربي ان يأخذ زمام اموره بنفسه وأن لا يعتمد على أي دولة أجنبية في تحديد مستقبله.  وقد أصبحت معالم هذا المستقبل إن أردناه مزدهرا  واضحة لمن يريد الاعتبار مما حدث ويحدث من موجتي الثورات العربية حتى اليوم: إعادة الاعتبار للدولة الوطنية بعد ان أنهكتها القلاقل والحروب وتعاظم دور القوى ما دون الوطنية في سوريا وليبيا والعراق ولبنان واليمن وغيرها.  ولكن إعادة الاعتبار هذه لا يمكن لها أن تنجح وفق النماذج السلطوية السابقة والتي اعتمدت في الغالب على القوى الخارجية لضمان أمنها و ازدهارها، بل يقتضي أن تبنى على أسس جديدة من بناء حقيقي لمؤسسات الدولة وسيادة القانون على الجميع واحترام التعددية وتطبيق مبدأ المواطنة المتساوية بغض النظر عن الانتماءات الفكرية أو الدينية أو الجندرية والمحاربة المنهجية للفساد واعتماد نظم إنتاجية تعالج مشكلة البطالة المستعصية. 

 

ربما هذا هو الدرس الأكبر من الثورات التي اجتاحت العالم العربي في العشرة أعوام الأخيرة، فهل تستطيع المنطقة استيعاب هذه الدروس بما يتيح انطلاقة جديدة تجنبها مزيدا من القلاقل؟

* مقالة خاصة لموقع تنوير الأردن.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top