" طبّـاخ رُوحُه " !! | ماجد شاهين

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

" طبّـاخ رُوحُه " !!

ماجد شاهين

 لا تزال عالقة في البال و ربـّما لا تزال رائحتها في الصدر وطعمها في اللسان "أطباق الزمن الجميل" لا بهرجة فيها ولا إسراف ولا بذخ إضافيّا ً .. كنـّا نأكل ونشبع و تقتنع منّا العين قبل البطن وكانت الموائد التي دائما ً نقترب منها ونتجمّع حولها وعلى " ما تيسـّر " ! أنا أتحدث عن جيلي ولا أريد إعادة نبش ذاكرة ما قبلي، وجيلي في طفولته كان منذ أواخر خمسينيّات القرن المنصرم وحتى أواخر ستّينيّاته .

الموائد تلك ، لم تعد حاضرة في أغلبها ولكنها حفرت عميقا ً في البال و الذاكرة، لا تزال تشغل وتحتل ّ زوايا مهمّة من الاسترجاعات ، إمّا لأن لنا حكايات معها أو لأننا لا نزال نشتهيها ، طعما ً ولونا ً ورائحة ً و صحبة جيران ومائدة تتميّز بطاولة أرضيّة مستديرة نتحلّق حولها و تصير فضاءنا حين نجوع ! " رز و بندورة " وخبز .. هكذا كنّا نغمس الرز بالخبز .. "رقاق و عدس" ( عجين وعدس ) وكانوا يغمسونها بالخبز ، أما أنا فكرهتها وكنت لا أحتمل تناولها بالمرّة .. " فاصولياء ناشفة بيضاء " بلحمة نادراً و بدون لحمة دائما ً .. " كوسا خرط" تُغمّس بالخبز دون الرز في حينه .. "عدس ومجدرة" بتلاوينهما .. " مفركة بطاطا وبيض " في سحور رمضان وكانت وجبة دائمة .. "جبنة وبطيخ وخبز" في السحور وغيره .. " رز بحليب " و هيطليّة " ومهلبيّة " وكانت صناعات بيتيّة تعد ّ حلويات شعبية و كنا نتناول الرز بحليب بالخبز أحيانا ً كثيرة .. " قلاية بيض وبندورة " أكثر من مرة في الأسبوع الواحد .. " النواشف " و ما أدراكم ما النواشف ، و تتضمن المقالي و الحمص والفول والفلافل !.

كثير لم أسجّله ، واكتفيت بزاوية ضيّقة في البال .

أعرف أنكم ستقولون : والوجبة الرئيسة يوم الجمعة مثلا ً ؟

كانت تتضمن دجاجا ً ، إمّا " مقلوبة " أو صينيّة .. و إمّا " نتمنسف " ! ...

كنت أشرت ُ في كتابي " حيطان التعب " إلى قصة طريفة وقعت في بداية سبعينيّات القرن المنصرم ، وكنت فتى لم أتجاوز الخامسة عشرة .. كان وقتها عيد الأضحى ، كنت نائما ً مثل العادة و كان والدي ، رحمه الله ، انتهى من ذبح أضحيته .. ناداني بصوت صارخ وطلب مني أن أنهض للذهاب إلى السوق .. و قال : انهض لكي تشتري لنا " معلاقا ً " حتى نتناوله إفطارا ً لنا ! لا أدري ما الذي حدث.

أتذكر وحسب أنني قلت بصوت مرتفع : ألا يوجد (معلاق) في خاروفكم هذا؟ نهرني والدي بشدّة و قال: هذا المعلاق سنوزعه مع الأضحية، قم يا ولد لكي تشتري لنا واحدا ً من عند عمك أبو فتحي . ثم سمعت و رأيت والدي يضحك من قلبه .

...

صار لازماً أن نسمّي الأشياء كما كانت ، بدنا طبخة " كوسا خرط " ... قال أهل الشام يطلقون عليها اسم " طبّاخ روحه " !

ولمناسبة استذكار الكوسا خرط و الحكايات حولها ، كنت تزوجت في منتصف ثمانينيّات القرن المنصرم و كان والدي رحمه الله كثيرا ً ما يختلف إلينا و يزورنا وبخاصة في فترة ما بعد الظهر بقليل عند رجوعه من السوق إلى داره ، كنا نسكن ولا نزال مستأجرا ً يقع في الطريق إلى السوق التجاريّ و قريب من الحركة العامة لأهل المنطقة . 

في واحد من زياراته التي لن ننساها ، كنا لتوّنا نجهز المائدة لتناول طعام الغداء ، فقلنا للوالد الطيب : اليوم عندنا طبخة فاخرة ، نريدك أن تشاركنا " بركة تناولها " بمعيّتك .. فسأل الراحل : ما طبختكم اليوم ؟ قلنا له : طابخين أكلة شاميّة فاخرة اسمها " طباخ روحه " . بذلنا محاولاتنا وكان ذلك في تسعينيّات القرن الفائت، فوافق الراحل الطيب على أن يجلس ولكنه لا يشعر بالجوع .

جلس لحين إعداد المائدة . صارت المائدة أمامنا و تحلقنا حولها على الأرض كما يحب هو ونحب نحن، وقلنا له : " تفضل يا حاج " .

نظر إلى الطنجرة قبل وضع الطبيخ في الصحون و بدأنا برفع الطعام من الطنجرة بالمغرفة ووضع ما نحتاج منه في الصحون . رأى والدي الكوسا خرط ظاهرة رغم وجود مواد أخرى مضافة ومن بينها اللحم ، لكن الكوسا كانت العنوان الأساس في الخليط .

أنا كنت أضع يدي على فمي خشية أن تنفجر مني ضحكة مجلجلة ، لأني كنت منتظرا ً ومتوقعا ً ردّة فعله .

هز رأسه و شتم ضاحكا ً و قال : يا أولاد شو عيبها لما نسمّيها كوسا خرط . ضحكنا جميعا ً حتى انقلبنا على ظهورنا . و كنت منذ دعوناه للغداء توقعت أن نضحك و يصيبنا الكثير من تعليقاته الناقدة الجميلة .

أثناء خروجه ومغادرته، كان يقول : قال " طباخ روحه " قال ! ثم تمتم : " جيل تعبان " .


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top