يا حناين! | جمال القيسي

يا حناين!

جمال القيسي

رأيت وسمعت فيما يرى النائم ويسمع، ليلة أمس، شقيقتي الكبرى (فِضّة) أطال الله في عمرها، تغني دامعةً: (زوروني كل سنة مرة)! فخنقتني دموعي.. قاومت سقوط الدموع لكنها أكملت بعتاب مرير جارح: (حرام تنسوني بالمرة!) فبكيت بصمت في الحلم لكني استيقظت على صوت بكائي الخافت مثل أنين مكتوم.

ظل صوتها - الشجي أصلا - يوجع قلبي طوال ساعات اليوم. آلمني عتبها الذي هو في محله تماما، فأنا لم أسمع صوتها إلا عبر اتصالات متباعدة منذ شهور، ولم تقع في قلبي ضحكتها الغالية وجها لوجه منذ شهور.

لم أقبّل رأسها وجبينها منذ آخر جمعة من شهر رمضان الماضي!

متى كان رمضان الماضي!

شهور طويلة وهي لا تبعد عني أكثر من 20 كم مسافةَ! قررت تأجيل الاتصال بها إلى ما بعد إنجاز الكثير من الأمور في العمل معترفا بضرورة الاتصال! تابعت عملي على (اللاب توب) بكل انهماك وذهول عن كل ما يحيط بي وعن كل ما في داخلي كالعادة! ثم فجأة قررت تنظيف سطح المكتب المكتظ بالملفات.

بدأت بفتح الملفات كي أحفظها باسم أو أحذفها. حذفت عدة ملفات وحفظت عشرات الملفات إلا أني عثرت على ملف (للقراءة فقط) فقرأت فيه نصا طويلا كتبته قبل سنوات وأهم ما فيه:

(.. أمي قالت إن شقيقتي الكبرى فضّة هي التي هرعت لجلب الداية على وجه الفرحة والسرعة حين أزفت الساعة التي ستعلن لحظة ميلادي. فضة! كأني أراها الآن.. فتاة في السابعة عشرة، تهرول ببراءة مضحكة. تركض كثيرا وطويلا حتى تجيء بداية من أقصى المدينة تسعى! مرتبكة كانت ومسرورة، ترجو الداية الإسراع لأن أمي على موعد مع مولود جديد! كانت (فضة) كما أخبرتني، تدعو داخل نفسها صباح ذاك اليوم اللاهب من آب: (يا رب ولد! كرمى لعين أبي وأمي، وكرمى لعين البنات يا رب!) ثم تخرج عن همسها لنفسها، فتقول للقابلة غير القانونية: (يا خالة ادعي معي! قولي يا رب ولد! لأن اسم أمي في الحارة أم البنات!)...).

أكملت القراءة فهاتفت فضة خافضا هامة روحي من شدة تقصيري معها، ومع كل الشقيقات! تقبلت اعتذاري كما هي عادتها وسألتني بنبرة شوق تخلو من العتب: هل اتصلت بعد ما قرأت حالتي على واتساب؟! أجبتها صادقا: لا. لم أقرأها. خير شو حالتك على واتساب؟ ردت: نشرت اليوم صورة لك وكتبت (ابني واخوي جمال.. بالأردن ولا وين)!

ران صمت ثقيل.

كررت اعتذاراتي وقررت مصالحتها مغنيا لها كما تعودت: (حقك عليا يا عينيا.. يا أغلى من روحي عليا)! فصمتت ولم ترد!

ولست ممن تخذلهم بداهتهم فأغني لها: "يا حناين قد ما تغيبوا.. عني غيبوا"! ولكني تحاشيت هذا المقطع رأفة بحسها الشفيف ودمعتها الأسرع من تنهيدة شوق! تناقشنا في ضرورة أن نلتقي! ورفضت كعادتها أن نلتقي عندي على عشاء أو غداء أو بطيخ! فاتفقنا في ضوء انشغالاتها بالأبناء والأحفاد المقيمين والزائرين على أن أزورها الجمعة!

لماذا أنا على هذه الحال من التقصير والانشغالات والمزاج المضطرب الذي لا يسعفني ولا يساندني في اتخاذ قرار حاسم - أحبه - بزيارة أغلى الناس؟!

ولماذا التقاعس عن زيارة الشقيقات.فضة وفضية ورسمية وميسر ونوال (نوال بالذات) ورحاب وشفا؟!  وجمانة الغالية. ابنة الغالية شقيقتي الراحلة بسمة؟!

"يا حناين قد ما تغيبوا.. عني غيبوا.. بس ضلّوا حناين"!


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top