كنت في رام الله | بسام حدادين

كنت في رام الله

بسام حدادين

 

 

 خمسة أيام من العمر أمضيتها الأسبوع الماضي في مدينة رام الله، في ضيافة بلدية رام الله وأبناء وبنات العم راشد الحدادين مؤسس مدينة رام الله برفقة المهندس أحمد الأزايدة رئيس بلدية مادبا ووفد ديوان عشيرة الحدادين (الأردن).

كنت أظن اني أعرف رام الله وأهلها ، لكنني اكتشفت اني أجهلهما.

ما يلفت النظر ويخطف البصر هو حالة السلام والوئام التي تطبع المدينة (لا أحب تعبير العيش المشترك).

لا يزيد عدد المسيحيين في المدينة على عشرة في المئة، لكنك في احتفالات عيد الميلاد، تشعر أنك في مدينة مسيحية خالصة؛ المحلات التجارية ومؤسسات المدينة كلها تتزين وتحتفل بعيد الميلاد. حضرت مسيرة عيد الميلاد التي انطلقت من بلدية رام الله واستقبلت بأكثر من عشرة آلاف غالبيتهم من المسلمين.

دلوني أين يحدث مثل ذلك!

يحدث ذلك لأن تقاليد عريقة تجمع أهلها منذ مئات السنين. تجمعهم فيها مشاعر الأخوة والانتماء للمدينة الذي يعظمونه على أي انتماء، وتضع مؤسساتها الأهلية هذه الاعتبارات فوق كل اعتبار. بلدية رام الله مثلاً؛ مؤسسة أهلية جامعة منتخبة من الناس، عرفت بوطنيتها من قبل ومن بعد كريم خلف (حدادين) رئيس بلديتها الذي فجر الإسرائيليون سيارته. في رام الله مؤسسات أهلية عريقة مثل سرية كشافة رام الله الأولى وعمرها أكثر من قرن، تخرج منها آلاف الكوادر من الجنسين ومن كل مكونات المدينة ، ينصهر فيها الناس في بوتقة الانتماء الى رام الله قبل أي انتماء. ينتمي إليها كل الأجيال، الأب والابن والحفيد ، ميزانيتها بملايين الدولارات، ويكفي أن نعرف أنها اشترت مؤخراً بيتا تراثيا بمليوني دولار، وهي تملك بنية تحتية رياضية وترفيهية وثقافية تعجز عنها وزارة. مقرها قصر تراثي ضخم ومهيب ، تبرع به أصحابه لخدمة مدينتهم. وهناك أيضا اتحاد شباب رام الله الذي تأسس منذ عشرات السنين.. يجمع ولا يفرق . هذا هو سر رام الله الذي كبر معها رغم توسع المدينة بسبب الهجرات الداخلية والخارجية.

ما هو سر المدينة؟ هل هي وصية الجد المؤسس راشد الحدادين الذي هاجر مع شقيقه الشيخ صبره من الكرك ، برفقة حلفائهم من عشيرة البنوي المسلمة وتقاسموا معا رغيف الخبز والمصير. هل قيم التسامح التي تبشر بها الديانة المسيحية تجذرت في مجتمع بقي مسيحياً بالكامل لمئات السنين، ويتجاور مع حلفاء الدم والعرض أبناء مدينة البيرة من عشيرة البنوي المسلمين الذين أسسوا المدينة؟

سأحدثكم عن بلدية رام الله التي سحرتني بدورها الخدماتي والاجتماعي والثقافي الوطني وكيف تعكس البلدية روح المدينة وتقاليدها. مجلس منتخب يضم أغلبية مسيحية بحكم القانون. حيث في ما يتعلق بكل البلدات في فلسطين التي سكانها الأصليون مسيحيون، وعددها ثماني بلدات، قرر الراحل الكبير ياسر عرفات أن يديرها رئيس وأغلبية مسيحية بحكم القانون. تسكن البلدية في مقر قديم - حديث ، أنيق ونظيف ومنظم، وتقدم خدماتها للجمهور وفق أحدث وسائل الخدمة من خلال شباك واحد وبدقائق يحصل المراجع على خدمته وقريبا سيحصل عليها من بيته. الخدمات التي تقدمها البلدية متنوعة تمتد لكل الحقول؛ من رعاية المتقاعدين إلى الصالات الرياضية والمؤسسات الثقافية مرورا بالحدائق العامة، وأجملها حديقة الأمم التي تحتضن تماثيل ولوحات فنية قدمها فنانون هدية لفلسطين من دول العالم.

 

وفي رام الله تجد تمثالا ضخما لمانديلا وساحات باسم الملك عبد الله الثاني ومحمود درويش وراشد الحدادين.

يقود مجلس بلدية رام الله ، شخصية فذة تجمع كل صفات القائد الشعبي، وهو المهندس موسى الحديد (حدادين) ميداني وعملي يتابع أدق التفاصيل، بصماته كمهندس تظهر في كل ميادين التحديث والتطوير، وطني لا يعرف الفصائلية، طيب وكريم وأنيق، يتباهى به الجمهور .

أما موظفوها؛ فهم على درجة عالية من الكفاءة والتدريب، يقودهم الأمين العام للبلدية أحمد ابو لبن، الممسك بمهمته باحترافية وتربطه علاقة عمل مع الرئيس والموظفين قائمة على الاحترام وحب العمل والإنتاجية. رافقتنا في كل محطات الزيارة السيدة مها شحادة مسؤولة العلاقات الخارجية، وهي المثقفة، والإنسانة الرائعة؛ تتحدث عن رام الله كأنها بيتها وعن أهل رام الله كأنهم عائلتها، بحب وعشق ابدي.

أما أهل رام الله أحفاد راشد الحدادين فقد استقبلونا بالورود والرياحين والعواطف الجياشة، فرحين بأبناء عمومتهم. يعرفون تاريخهم العشائري بتفاصيله الدقيقة. وقد لخص الموقف أحد كبارهم عندما قال لرئيس البلدية بحضورنا: أهم مبادرة ونشاط لبلدية رام الله هذا العام هو دعوة ديوان عشيرة الحدادين من الأردن.

في رام الله التقيت رفاق الروح والنضال: تيسير الزبري وعمر عساف ونهاد أبو غوش وأحمد دحبور. وبعواطف متناقضة بين الفرح والحزن التقيت سيف سلامة خليل، ابن صديق الغربة والنضال والسجن المرحوم سميح خليل.

لن أتحدث عن السياسة ولقاء الرئيس عباس وزيارة ضريح الشهيد عرفات ومتحف الشاعر الشاهق محمود درويش وزيارتنا إلى القدس.

فللحديث بقية. 


تعليقات (1)

  1. 1

    ماجد شاهين

    أنا كنت ُ أنتظر هذا السرد الناصع عن التاريخ الجميل للحدادين هناك في رام الله ، ففي ماعين ومادبا هم جيراننا و أهلنا و أصدقاؤنا ونعرفهم تماما ً ونعرف حكاية هجرة البعض منهم إلى فلسطين قديما ً و كيف استطاعوا بالمحبة والصدق تأسيس رام الله الحديثة ... ابتهجت ُ لأنك ذكرت أسماء عدد من القامات السياسية الطيبة من الذين عاصرنا حضورهم في المشهد الوطني التقدمي ، حين كانت الحياة جميلة ! نرجو أن نقرأ حلقات أكثر توصيفا ً عن الرحلة و عن الذاكرة ، فلم يعد لدينا سوى الذاكرة . لك التقدير في كل حال

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top