صحافي برب واحد وراية وحيدة | علي عبيدات

صحافي برب واحد وراية وحيدة

علي عبيدات

 

ما الجديد الذي سيقدمه موقع إخباري يكشر عن رابطه وسط كل هذا البؤس الإعلامي في الأردن! في الأردن أكثر من 24 قناة فضائية و42 إذاعة و11 صحيفة أسبوعية و192 موقع إخباري مرخص ويوميات، هذا كله يحرث المشاهد السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الأردن، وفي هذه الحراثة من العوج؛ ما يؤكد نظرية "الثور والتلم" الفلاحية. تشهد الحوادث على نفسها في الأردن وتكشف عورات البدائية الإعلامية التي تعمل بها أغلب هذه المؤسسات. كيف تغطي الأردن حوادثها؟ كيف يقود الإعلام معارك المجتمع؟ كيف ينظم الصحافي أدوار صحافته في مساحات السلطة الضئيلة؟ كيف يُحَاكَم الإعلام في محاكم الوعي - المفترض رفع رايته؟ كيف سنرى سياسة تحريرية جادّة لا تكون أرضيتها رؤية الناشر كربٍ للمهنة (وليس لعمل الفريق)؟ والأهم من هذا من هو الفريق؟ كل سؤال وكل عتاب وكل رثاء وكل اصطكاك لأسنان الصحفي النزيه المراقب للمشهد؛ يأخذنا إلى نقطة واحدة، كيف سنعلن عن موقع إخباري جديد دون أن يحظى بوصف "دكان" الذي صُيرَ له أن يكون ثيمة تنافسية للمواقع الإخبارية التي تتنافس على مربعات الإعلان (المتمغطة) في صفحات المواقع، وبهذا ندخل في باب رب العملية الإعلانية والدعاية، وهذا أحد أهم أسباب البشاعة التي تشوه بقبحها كل موقع لا يجد ثمن رواتب محرريه و"سوشلجيّته" إلا بعد السجود لتاجر سيارات أو مستورد أرز أو بائع سيراميك. هكذا بدأت وثنية المهنة الجديدة بربين لا مناص من عبادتهما (الناشر والإعلان)). كيف سيقتنع المؤمن ببلده - كمواطن عادي- والمؤمن بضميره - كصحافي ينوي أن يترك لأبنائه وبناته سمعة طيبة بعد رحيله؟ والأهم كيف ستقتنع السلطة بموقع إخباري جديد يرفض حذف خبر من الصفحة الرئيسية برنّة هاتف يتردد صداها على امتداد المكاتب البُنية؟ لا أحد يحترم موقعا ليس فيه صحافي وعر يعطي مهنته من قلبه، ليس فيه تاجر مواد تموينية (دكنجي كبير) يملأ قسم المحليات في الموقع بصور أكياس السكر وقناني الزيت؟ إنها مسيرة رداءة كبيرة طمست قيمة الصحافي وأساءت لورق تنشيف الأيادي الذي تدرب عليه عتاولة المحررين في زمن أقلام الحبر.

شكّلت جماعة من المتلمظين والصحافيين الأقل حظًا (في زمن الصحافة الحقيقية) حالة إعلامية جديدة اليوم؛ أرست من خلالها دعائم البشاعة الحالية في الميدان الإلكتروني. في الأردن فقط ستجد لقب "عميد/شيخ" الصحفيين الأردنيين مخلوعا على أكثر من عشرين رجلا هُلاميا جاءوا من باب المهنة الخلفي وبدعم من تيارات - كانت مختلفة- ثم اتحدت من خلال بيع أوائل المواقع الإخبارية في الأردن لتجلس جميعها في مضافة السلطة وتقدم لنا أبشع مشهد صحافي. الجهل في المهنة، الميوعة في المحتوى، استقدام محررين وصحافيين بلا تجربة (لأن الراتب ملاليم)، وغياب أي متسع يضمن حرية الرأي.. هذا كله يصنع القبح وليس عليك إلا أن تسبغ عليه غياب الاختلاف في الطرح والكلام من مناطق واحدة، لتصبح تنافسية هذه المواقع على صعيدين اثنين فقط "الإعلان والتقرب من السلطة" وهذه بطبيعة الحال سماجة وليست خصومة او تنافسية فرسان مهنة شريفة. خطيرا وليسَ آخرًا، لكل موقع إخباري "رجُله" الذي جاء ليقول شيئا (غالبا لا يفعل ويقول) لسائر رجال المواقع، وهو المالك بصفة ناشر، والمدير بصفة مشرف، والقادر القدير بصفة الأب الروحي والمعلم لعُماله. وهنا سر أي موقع ينطلق جديدا (مين زلمته؟). لم ترفع رايات كثيرة، ولا راية منها لرفع راية "لا صحافة إلا بضمير والصحافي ظل الناس على الأرض".

*كاتب وصحافي ومترجم


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top