أقسى من الغربة وأرحم من الاغتراب | غصون رحال

أقسى من الغربة وأرحم من الاغتراب

غصون رحال

 مثل سمكة مقطوعة الرأس أعيش. جسدي هنا ورأسي هناك، لا يربط بينهما سوى خيط رفيع من القلق.

بهذه المفردات وصفت لاجئة سورية في بريطانيا وجعها للأخصائية النفسيّة، كما لم يصفه أحد من قبل، وهي تمضغ شفتها السفلى، وتدفع بدمعة إلى حلقها خشية أن تسيل على خدّها فتجرف أثناء سيلانها الكُحل العربي من عينها، الكحل العربيّ ذاته الذي يحلّي عيون معظم الصبايا هنا بعد أن أصبحت عبواته السوداء الصغيرة الموسومة بكلمة “Kuhl”  تُعرض على رفوف مواد التجميل في المولات والصيدليات الكبرى. ولامرأة تشتغل في الشأن الإنساني مثلي، لا يجوز لمثل هذه العبارة أن تعبر سدى، لابد من نبش ما تشتعل به من  معانٍ وتأويلات عصيّة على الاختراق. فالأسماك مقطوعة الرأس، لا يمكنها العيش إلا في أفلام الرعب أو الخيال العملي، كما أنها بضاعة ثبت عدم صلاحيتها للاستهلاك البشري في دولة المنشأ قبل الدول المستهلكة.

تبيّن لي أن ما يعتري هذه السيدة السورية، وأمثالها من النساء اللواتي اختار لهن القدر أن يُرحّلن مع أفراد أسرهنّ إلى بريطانيا من لبنان وتركيا والأردن ضمن برنامج الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي لاستيعاب اللاجئين السوريين في أوروبا، هو إحساس يفوق بقسوته ما يمكن أن يحمله المفهوم العادي للغربة من مشاعر، فقد كان إحساسها بقسوة الغربة جليّا وواضحا لا لبس فيه. ورغم صعوبة قياس درجة القسوة حين تتعلق المسألة بالحسّ البشري، إلا أن خيط القلق الرفيع الذي يصل الجسد الحاضر هنا بذلك الرأس البعيد المحلّق هناك، بما يحمل من ماضٍ وذكريات، وأحاديث وأحداث، ووجوه ودلالات يسّر صعوبة القياس تلك وجعلها في غاية البساطة.

ليس هناك ما هو أقسى من العيش بجسد لا يعلوه رأس!

لم أشهد مثيلا لقلق المرأة السورية، فهو يشبه حبكة روائية مركّبة الأبعاد، طرفها الأول يتجسّد في بعدها الجغرافي عن وطن حجبت القنابل والصواريخ عن صباحاته الشمس، وخطف مَلَك الموت من لياليه القمر، وطرفها الثاني يتمثّل باستعدادها غير الواثق لمواجهة المجهول الذي ينتظرها في بلد لا تعرف لها فيه اتجاه، ولا تفهم له لغة، ولا تجد لها فيه كتف صديق. بلد تصحو فيه قبل الشمس على شبكة التواصل الاجتماعي لتتقّفد من تبقى لها هناك من أهل وأصدقاء واحدا واحدا، ولتشكر القدر على اليوم الذي يمضى سالما من نوائب الدهر. غير أن ما طمأن الأخصائية النفسية هو اكتشافها السريع أن السيدة لا تعاني من الاغتراب، فسماؤها مشرقة لا يعكّرها الضباب الذي يخيّم على قباب المدينة، حيث لمعت عيناها بالحماس ما أن سمعت خبر قبولها في برنامج لتعلّم اللغة الانجليزية، وطارت من الفرح حين علمت أن باستطاعتها الحصول على رخصة صحيّة تمكّنها من صنع وبيع الحلويات الشامية، وللحق، فهي تصنع ألذّ بقلاوة عرفها شرق المتوسط.

وجدتها، الغربة ليست رديفة للاغتراب.

  فالغربة مفهوم يشير إلى تفسّخ في المشاعر الناجم عن الانقطاع عن الأجواء والأماكن والوجوه المعتادة بسبب السفر الطوعي، أو الهجرة والنزوح القسري على حد سواء، وهي حالة تشير إلى الخارج الإنساني كمعنى مجرّد؛ بينما يرتبط الاغتراب بالداخل الإنساني، الذي يتولّد من رحم الظروف والعوامل والتراكمات العديدة النابعة من الشعور بالعزلة وعدم القدرة على التأقلم والاندماج. هذا الحد الفاصل ما بين الغربة والاغتراب جدير بالتفحّص والاهتمام، فالاغتراب نزعة سيكولوجية تنمو وتترعرع بدوافع نفسية محضة حين يطغى الشعور بالإقصاء والنبذ والتهميش على المرء، مما ينمّي لدية الشعور بالضياع، وعدم الانتماء، والانفصال عن المحيط من حوله، فتختلّ بوصلته ويفقد إحساسه بذاته كبؤرة لعالمه، أو صانع لأفعاله ومشاعره، بخلاف الغربة التي غالبا ما تحركها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القاهرة.

الاغتراب مرض فرديّ بامتياز، فليس كلّ من اغترب أصيب بداء الاغتراب، وكثيرون هم الذين يعانون من لعنة الاغتراب رغم أنهم ينامون في أحضان أوطانهم، ويستيقظون فوق أرض هي حتما أرضهم، وتحت سماء هي من دون شكّ سماؤهم. 

 * روائية أردنية مقيمة في بريطانيا.

 ghossonrahhal@yahoo.co.uk


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top