فيسبوك.. كتاب الحياة | لارا مصطفى صالح

فيسبوك.. كتاب الحياة

لارا مصطفى صالح

 

هل يعقل ذلك يا صديقي؟ أن تترك عينيك تستعران وأنت تحوم حول صفحاته بلا كلل حاملًا وجهك العابس، تتظاهر بالود حينًا وباللامبالاة حينا، ويستفزك ذلك الجالس خلف الشاشة واضعًا ساقا على ساق، يدخن سيجارة وينفث رماد لغته في وجهك. تقول سأبتعد ولا تبتعد! لربما أنت تكذب يا صديقي فالأمر ليس بهذه البساطة. روحك المتجمدة قد بدأت تذوب وتتدفق من بين سطوره، لقد وقعت في غرامه وانضممت إلى صفحاته التي كنت تسخر من مرتاديها! تكرر أخطاءهم، تعيش حماقاتهم وأفراحهم، تبتئس لأحزانهم، تنصت لأغانيهم، وتقرأ قصائدهم بصوت مخنوق وتشاركهم ثوراتهم. تتعثر بالنساء اللاتي أمامك وتصطدم بأكتاف الرجال في ساحات الحرية.. وتهتف معهم...لا للفساد.. لا للعنف.. لا للتنمر.. لا للإرهاب...لا لتكميم الأفواه.. لا للمناهج التي يغيب فيها نجيب محفوظ ومحمود درويش وغالب هلسا وجمال ناجي ومؤنس الرزاز وتيسير سبول...يسقط الظلم.. تسقط الإمبريالية ... تسقط الأحزاب المزيفة.. تسقط أمريكا ... تسقط إسرائيل... وتسقط رغبة جدتي بزواجي من ابنة عمي!

 

يا صديقي. سحر هذا الكتاب يكمن في التباساته، في الفروق بين الحقيقة والخيال، في اللغة التي تتوهج في بعض نصوصه. كتاب صارت (لاؤك) فيه مثل نجمة خضراء في سماء عالم باهت وكئيب. كِتابٌ حُشر فيه عدد كبير من الأقارب والأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء.. ثرثار يسعى للتسرية عن نفسه، وقَلِقٌ لا يعرف ما يريد، وغريب يقلب صفحاته بحذر كمن يتلمس خطواته في طريق مجهول. وعباءة وطنية تتعدل على الأكتاف حسب مزاج أجندات الأحزاب. صنم يدرس لطلابه العلوم السياسية لكنه يبدو في طياته أقرب إلى البشر. أدباء ومثقفون؛ فيهم من يكتب على خجل، ومنهم من يكتب مفلساً من الدنيا لكنه غني بمفرداتها، وبعضهم يكتب بدافع من القلب، وهناك أيضا ذلك النوع السيّء الذي يكتب بنية التصفيق. جنود محاربون في ساحات السياسة، منهم من اتخذ كاسترو مثالا ومنهم من ظن نفسه بطل حلم سيد قطب الذي سيقود البشرية إلى الطريق والخلاص.

 

كتاب تقف فيه أمام كل نصّ ينتحب في رثاء أم أو أب غادرا ولم يتركا عنوانًا ولا موعدا، فينتابك  خوف وهلع، ورعشة قاسية وعرق غزير تتبرع به جبهتك، وتلعثم في الكلام حد عدم استيعاب ما يجب قوله وما لا يجب! كتاب وقفت أمامه مذعورا وأصابك شيء من الألم الشديد في قلبك عندما قرأت قصة إسراء غريب وعيون فاطمة.

 

كتاب فيه كل امرئ يبكي شجنه. صداقات انتهت بخيبة. وأخرى ولدت بين سطوره واحتفظت بنقائها وهدوئها وعذريتها. لقاء حبيب غائب، ووردة في يد عاشق. ستينية جلست إلى جوار جذع شجرة زيتون قُطعت للتو غربي النهر،. كتبت على مهل عبارة "مَوطني.. الشبابُ لن يكلَّ همُّهُ أن تستقـلَّ أو يبيد".. عجوز متكئ على عصا من خشب الزان يجلس أمام مكتب عتيق في منزله الريفي في إحدى المحافظات شرقي النهر، حدق في تلك العبارة، وجد ضالته وصاح بفرح ... أميرتي! هي ذاتها فاتنة الجامعة التي كان يرى فيها الجمال الأنثوي الشرس الذي لا مثيل له إلا في معبد (أفروديت) .. كتاب فيه تلك الكاتبة الهادئة التي أبت أن تعلق حتى بابتسامة إلكترونية إلى أن وجدت جذوة الحب المقدس في نص فاتن، جارف وجارح يتسربل بالبهاء والجمال. نص بكت فيه أطيافا لا وجود لها، وأحلاما يصعب تحقيقها، وخطايا صعبة المنال. نص قرأَته بماء عينيها وأسندت جسدها المتعب إلى كتف المدينة ولاذت بما تبقى من هواجسها وجنونها.

كتاب فيه الحياة بقبحها ووحشيتها وفتنة ثيابها وغواية ضحكها وغزل نسائها وصلابة رجالها.

أما أنا، فإن لي في هذا الكتاب صفحة. إن رحلتُ وحيدة ذات يوم، سيسعى واحد من أصدقائها إلى كسر باب بيتي عليّ، واكتشاف نهايتي لربما بعد الأوان.  


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top