المثلية الجنسية على "نتفلكس".. غاية تجارية أم غزو ثقافي؟- صور

المثلية الجنسية على "نتفلكس".. غاية تجارية أم غزو ثقافي؟- صور

 من: سوسن مكحل

أجمل لحظاتك عندما تكون في أجواء سينمائية في بيتك وتجهّز نفسك مسبقا لتختار ما تشاهده لا ما يفرض عليك من الفضائيات. هذا هو عالم الانترنت والتكنولوجيا المتطورة وتلفزيونات "السمارت" التي باتت توفّر لك ذلك من خلال شركات ومؤسسات البث المباشر؛ ومن أمثلته الصاعدة شركة "نتفليكس".

إذا سبق وأن شاهدت فيلما ما من إنتاج "نتفليكس" أو مسلسلا دراميا، لا شك أنك لاحظت أيضا الكم الهائل من البذخ في تلبية كل الأذواق.. ركزّ قليلا.. تابع أكثر؛ ستكتشف أن غالبية المسلسلات والأفلام من نتفليكس تقدم "المحظور" بصورة تبدو منمقة وعالم مثير للتشويق.

تشويق المحظور لربما تصوير الواقع الصعب من تجارة مخدرات، وعالم غسيل الأموال، وحب السلطة والسيطرة على الآخرين وهي (بشكل جمالي) ضمن قالب سينمائي ودرامي، أمور تثير حفيظة مجتمعات وفئات عمرية أكثر من غيرها؛ فما هو مقبول في أوروبا ليس هو المستساغ في البلاد العربية مثلا، وما يتقبله الشباب لا يرضى عنه آباؤهم وأمهاتهم.

لكن هذه المحتوى الجدلي انطلق ودخل منازل العالم بقوة قنبلة ذرية لا يقتل.. لن تقتلك "نتفليكس فأنت من يختار.

بدأ الانتشار لمجموعة "نتلفليكس" سريعا وحققه رواجا صاخبا قبل خمس سنوات وتصدر العالم خلال 3 سنوات حتى اللحظة. خلال هذه المدة القليلة صارت "نتفليكس" حديث الشباب في الشوارع والجامعات وفي أروقة الشركات والمكاتب وغيرها.

ولو رصدنا الكلمات الأكثر تداولا لكانت "آخر الأفلام ومسلسلات" نتفليكس" حيث ينخفض الصوت قليلا بالحديث عن قصة داخل المسلسل أو الفيلم فيما كثيرون يتغاضون عن التفاصيل.

دهشة ومثلية

تابعت عشرات من إنتاج نتفليكس بين ( فيلم ومسلسل) وجميعهما بمقدوري التحدث عن مستواها المتقدم رغم اختلاف مقاييس الأداء والقيمة وغيرها من الأمور إلا أنها شدتني في مواقف كنت أسأل نفسي لماذا تم إقحام هذا المشهد فيه دون مبرر؟ الأمر الذي يدعوني، ويدعوك إلى لفت النظر؛ هو هذا التواجد الهائل والكمي لـ"المثلية الجنسية" في محتوى نيتفلكس، وكي لا تضع أحدا في خانة "مع أو ضد" بعيدا عن كل ما يحدث حولها في المجتمعات من اختلاف؛ هل يساعد هذا الكم الهائل من مشاهد الممارسة المثلية فئة المثليين حقا؟ أم أنه حشو وفائض للفت انتباه المشاهد المشترك برسوم مدفوعة باحثا عن المتعة!.

في أمريكا قامت مؤسسة "الاستقامة"، كما تطلق على نفسها؛ بالتحرك ضد حصول المثليين على حقوق الزواج واعتبروا في رسائل بثت على مواقع إعلامية منها ChristianPost. وغيرها، أن "نتفليكس تروج في أمريكا عبر برامجها المنتجة من مسلسلات وأفلام على أن الشعب يضطهد المثليين ويحاول تصوير المجتمع على أنه يعاقب المثليّ وهو غير وارد لأنهم يعيشون بشكل طبيعي وان كانت المؤسسة تعترف بخطأ يرتكبونه ولا يدعون إليه".

ووجهت المؤسسة رسالة تتضمن اتهاما مباشرا إلى "نتفليكس" باعتبارها تروج بصريح العبارة وتدعو إلى المثلية الجنسية بشكل مبالغ فيه ومخيف ومريب. حاولت المؤسسة أن تحذر الاهالي ليمنعوا أبناءهم من مشاهدة تلك البرامج خصوصا المراهقين وطلاب المدارس بالإشارة إلى ضرورة حجب هذه أفلام عديدة، ليس آخرها فيلم "جن" الأردني العربي. إلى أين.

ضخت الشبكة العالمية كمية هائلة لمفهوم "المثلية" وضرورة تقبلها على شكل قصص حب وعلاقات متعددة وأطاحت باختيارات كثير من المشاهدين بشكل قد يتحوّل لضريبة عكسية وربما إيجابية على شبكة "نتفليكس" ولكن كيف؟.

المشتركون العرب

أعلنت الشركة مؤخرا أن عدد الأفراد بالوطن العربي والذي قد يشتركون حتى نهاية 2019 سيصل حواليّ 4 ملايين مشترك، إلا أن مسلسلات "نتفليكس" تباع بمواقع مجانية وهو ما تعلمه الشركة وغالبا ما تغض الطرف عنه بسبب صعوبة السيطرة عالميا على "ثورة الاختراق" الممنهجة ورغبة من الشركة في تحقيق انتشار أوسع بكثير مما هي عليه. من وادي "السليكون" في كاليفورنيا، تطرح مسلسلات "نتفليكس" المثلية بقالب درامي خارج أطر المحددات للشخصية في كيفية تحوّل هذا الشخص لمثلي.

فغالبا ما يأت مثلي الجنس ذكرا كان أم أنثى مشتتا يمر بعلاقة عاطفية أو ما دون ركائز درامية أو حياة مستقلة ومستقرة، بل فوضوية قائمة على القبلات المفاجئة والجسد العاري ورغبة متأججة في الشريك وليس بذكاء كما ليس في صناعة "فيلم" carol" أو فيلم Black swan وغيرها. فطرحته أحيانا بقالب عابر لا يشي بشيء واضح.

المجتمع العربي حاليا يشاهد لكنه وبعد أول ضجة إعلامية لمسلسل "جن"، انتشرت محاربة "نتفليكس" مثل النار في الهشيم حتى شعر غالبية العرب بإهانة في شعورهم الديني لأن المحتوى يمسّ معتقداتهم وبيئتهم بسبب مشاهد مثيرة.

ومع ذلك المثلية لا تشكل "ظاهرة" في مجتمعاتنا حتى اليوم ، إلا أن المتابعة من الشعب العربي لأفلام ومسلسلات نتفليكس التي تحتوي على قصة مثلية جنسية يحقق مشاهدات عالية!.

"لا تحترم ذائقة المواطن العربي ولا تراعي الخصوصية الثقافية للشعوب"، يقول الناقد السينمائي الأردني ناجح حسن. ويضيف أن الأفلام والمسلسلات التي تقدمها شركات انتاج عالمية ومن ضمنها "نتفليكس" تفرض على المشاهد رؤيتها منوها إلى أن هذا السلوك يفتقر لحس مراعاة ثقافة الشعوب الأخرى، وينطبق عدم المراعاة على المحتوى الذي تقدمه نتفليكس في القارات غير آسيا، مثل الهند والصين.

كل ممنوع مرغوب

تفكر عقلية" نتفليكس" بعقلية التاجر المتحرر من القيود، فهي شبكة تنظر كيف تبيع؟ وتلتقط عين المشاهد أولا ثم تدخله بتفاصيل الدراما والفانتازيا وإن لم تكن تلبي رغباته؛ فهي على الأقل جذبته. تهتم الشركة بإدهاشك البصري أكثر من المحتوى؛ لذا فإن الشبكة التي انتجت في العام 2017 أكثر من 100 ساعة برامجية متعددة فقط؛ تعلمك بطريقة مباشرة" جهّز نفسك لكل محتوى صادم ومدهش وغير متوقع".

هذه الشبكة التي تغدق على التصوير والمونتاج ببذخ واضح، تتخطى بعض الأعراف المجتمعية حتى داخل بلدها الأم "أمريكا"، ومع ذلك فهي تمتّع عيني المشاهد بشتى الوسائل، وتعتبر الربح والانتاج المرتبة الأولى لديها.

الشركة تتعاون مع ألمع نجوم الدراما حول العالم وفي هوليوود تحديدا، ونجحت في حصد الاوسكار كمؤسسة تشارك أفلامها ضمن هذه الجائزة العالمية الهامة، ويتوقع تصاعد حضورها وانتشارها أكثر.

ولأن كل ممنوع مرغوب يرى استشاري علم النفس التربوي موسى مطارنة بالوقت الذي يصعب فيه السيطرة على المنع بعالم "الانترنت"؛ الدور يقع على المتابع نفسه مراقبة ما تقدمه تلك الشركات من محتوى لا يتناسب مع البيئة العربية وأن على شركات الإنتاج العربي تقديم البديل المناسب بمحتوى مماثل في الجودة.

ويلفت مطارنة إلى تكاثف وسائل الإعلام والإنتاج الرسمي والخاص لتقديم محتوى وخطاب إعلامي يساعد الشباب في عدم التأثر بما يقدّم له من الخارج، خصوصا وأن هناك مراهقون وغيرهم قد تؤدي لتوجيههم بشكل غير مباشر.

لا نستغل الآخرين لو وضعوا في زنزانة

يرى كثير من أخصائيي الطب النفسي والإرشاد النفسي أن صورة المثليين في الأفلام والمسلسلات التي أنتجت من قبل "نتفليكس" مشتتة وقائمة على فراغ عاطفي وليس اختيارا فرديا كبعد عقلي وحق إنساني. ويعتبرون " إنها تصور الشاذين مهزومين ومستسلمين وهم ليسوا كذلك في غالبيتهم على أرض الواقع" منوهين إلى أن المثليين علميا ليسوا أشخاصا طبيعيين فيسيولوجيا حسب النسق العام " ويضيفون أن كثيرا منهم "أشخاص طبيعيون بأهواء شاذة يمارسون حياتهم بشكل مقبول وفي حالات كثيرة أقوياء لا يستجدون العاطفة، ولا يصنفون في خانة المجرمين أو ممن يمارسون فكرة الاستغلال للآخر".

تلك نظرة الطب النفسي عن المحتوى والواقع النفسي ردا على ما تبثه ""نتفيلكس" معتبرين الشبكة العالمية فاشلة وعاجزة حتى الآن عن تقديم أية صورة تتعلق بالجوانب النفسية العميقة للمثليين، ولم تثبت قدرتها على مساعدتهم في "إثبات اختلافهم" المتعدد الأسباب، بطرق إعلامية احترافية وأن الشبكة تركز على الجسد فقط وعلى المشاهد الحميمية التي هدفها تحقيق الـ "ترند" لجذب المشاهدين واستقطابهم كما حدث مع فيلم "جن" الأردني.

في ضوء ذلك يفضّل الأخصائيون النفسيون أن تركز "نتفليكس" على " إذا قررت مناقشة مواضيع المثلية أن يأتي ذلك في سياق علمي وسينمائي درامي متين غير مبتذل" مؤكدين على "أن نتفليكس لا تستوعب فكرة التريث في مخاطبة الجمهور حتى اليوم".

لربما يختلف كثيرون مع الآراء السابقة كلها، لكن لابد عند تناول قضية ما، البحث والغوص في أسبابها وظروفها والحديث عنها كوحدة واحدة موضوعية وعدم إقحامها دون وجه حق على المشاهد، لتقديم محتوى وازن مؤثر، وليس بطريقة تسلب المثليين التعاطف القليل الذي تمنحه لهم مجتمعاتهم.

ويعتقد كثير من المتابعين والنقاد أن "نتفليكس" إن لم تتراجع محتواها المندفع وتراعي خصوصية المجتمعات وخصوصية المثلي نفسه، فإنها تسيء للمساحات الخاصة للناس، وستخسر المثليين والمجتمعات نفسها في آن معا. فيما يقول خبراء نفسيون ونقاد عن نتفليكس: "القادم أخطر"!


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top