ليلة أن ارتطمت بي السيارة | جلال برجس

ليلة أن ارتطمت بي السيارة

جلال برجس

 لا أعرف من الذي عبر الشارع المعتم في تلك الليلة الماطرة؛ أنا أم (إبراهيم الورَّاق)*! طوال الطريق من المفرق إلى عمان كنَّا شخصًا واحدًا، تماهى بي، وتماهيت به أمام شمس داخلية حارقة بزغت لبرهة ثم تلاشت.

كان يشكو لي وحشة الغروب وكيف يهطل الليل ليسقي أشجار الوحشة. كان يقرفص في زاوية غرفة معتمة وراء بؤبؤيَّ وينظر إلى الأشياء كيف تخبو ألوانها شيئًا فشيئًا أمام سطوة الدهّان الذي يجيء كل يوم في اللحظة ذاتها ويمعن بالعتمة.

وكنت من وراء بؤبؤيه أنظر إلى الشارع والعربة تلتهمه كأنه أفعى كونية تهدد سكينة الكائنات. كان يشكو لي عطشه للبهجة، وجوعه للسكينة. وكنت أشكو له عازتي لحياة نبتة على ضفة نهر تجري مياهه بهدوء.

طوال الطريق بقيت أغني بسري لإبراهيم الوراق وهو يرخي رأسه على كتف روحي وينشج بصمت الذين ما تبقى أمام عتمتهم سوى شكل بعيد للأمل. وكان يقرأ لي قصائد لم أسمع بها من قبل؛ قصائد تشبه غناء رجال غامضين يهبطون جبلًا وفي أيديهم مشاعل في ليلة معتمة حد الخوف. لم يلحظ أحد من ركاب حافلة العمل شيئًا عليَّ، ولم يسمعوا عما يحدث بيني وبين ابراهيم الوراق.

عند الإشارة الضوئية هبطت من الحافلة ورفعت ياقة معطفي اتقاء لنسمة الهواء الباردة وصعدت الشارع. لا أدري من الذي فعل ذلك؛ أنا أم هو! كنت على الجهة اليسار، كنّا على الجهة اليسار، حينما عبرت الشارع نحو اليمين وهو يغني لي بصوته الناشج. وكان (رمزي)** -الذي للتو استراح من رحلة طويلة مع السرطان- يقود سيارته على الجهة اليمنى.

غامضة تلك اللحظة التي لا تتجاوز ثانيتين. كانت السيارة تسرع نحوي وشريط حياتي يمر بسرعة خاطفة يعرض صورًا وينقل لي أصواتً متداخلة. لا أدري من الذي قفز إلى الوراء؛ أنا أم إبراهيم الوراق لكنني أدري كيف كان ابراهيم يطير معي في الهواء إثر ضربة السيارة لجسدي، وأتذكر كيف كان بلهفة يتفقد يدي، ورأسي الذي ارتطم بالإسفلت وكأنه يخشى على فرصة خروجه من تلافيفي السرية إلى بياض الورق.

* "إبراهيم الوراق" بطل روايتي القادمة.
** "رمزي" سائق السيارة التي ارتطمت بي.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top