صعود اليمين الشعبوي ومستقبل الديمقراطية الاجتماعية (1) | د. جميل النمري

صعود اليمين الشعبوي ومستقبل الديمقراطية الاجتماعية (1)

د. جميل النمري

يوم 15 تشرين ثاني الماضي عقد "التحالف التقدمي" العالمي مؤتمرا في العاصمة السويدية ستوكهولم بضيافة الحزب الديمقراطي الاشتراكي السويدي، بحضور أكثر من 90 وفدا يمثلون أحزابا تقدمية من مختلف دول العالم، من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية واستراليا. العديد منها في الحكم مثل الحزب السويدي نفسه، وكثير منها في المعارضة. بعضها ذات تاريخ عريق  يعود الى القرن التاسع عشر مثل (الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني) وحجم ضخم مثل (حزب المؤتمر) الذي قاد الهند إلى الاستقلال وحكمها لعقود، وبعضها حديث ومحدود الحجم؛ مثل (الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني) الذي تأسس قبل 3 سنوات وريثا لحزب اليسار الديمقراطي الأردني وقد مثله في المؤتمر كاتب هذا المقال.

 

مؤتمر التحالف هذا هو الثاني بعد مؤتمر تأسيسي عقد قبل 3 سنوات في برلين، وهو يرث الدولية الاشتراكية التي كانت تعيش حالة احتضار، ولم يعلن عن حلها رسميا، لكن التحالف يحل محلها عمليا، وقد تم توسعته ليضم أحزابا لا تعتمد فكر وإرث الديمقراطية الاشتراكية،  إلا أنها ذات توجه ديمقراطي وتقدمي عموما ويمكن أن يشارك أكثر من حزب من البلد نفسه، ما دام الإطار يتسع لتنوع يمتد من اليسار إلى الوسط، فمن فلسطين تشارك مثلا حركة فتح وتنظيم المبادرة الفلسطينية الذي يترأسه د. مصطفى البرغوثي.

 

عمليا هذا هو الإطار السياسي الحزبي الوحيد "الأممي" اليوم.  وكانت الاشتراكية الدولية هي بدورها الإطار الأممي الوحيد المتبقي إذا استثنيا التجمعات التي تلتقي في مناسبات احتجاجية مثل أنصار البيئة وبقايا القوى والحركات والمجموعات الثورية أو المعادية للعولمة الرأسمالية. وفي التاريخ بدأت الدولية الاشتراكية من الأممية الثانية التي تأسست العام 1889 والتي تأسست بعد حل الأممية الأولى أو "جمعية الشغيلة العالمية" التي كان من قادتها الفكريين كارل ماركس وفريدريك أنجلز. وجاءت الأممية الثانية ليس كمنظمة موحدة بل كاتحاد دولي يضم أحزابا كبيرة مستقلة ذات ثقل في برلمانات بلدانها، لكن الحرب العالمية الأولى خلقت أزمة عاصفة؛ حيث اضطر كل حزب إلى الوقوف خلف دولته، مما اعتبره التيار الثوري خيانة للمبادئ الأممية فانشق عن هذه الأحزاب وأسس الأممية الثالثة ( الكومنتيرن) بقيادة لينين زعيم الثورة البلشفية في روسيا، واستمرت الأممية الثالثة حتى الحرب العالمية الثانية عندما قرر ستالين حلها إرضاء للحلفاء الغربيين في الحرب. هذا بينما أعيد تأسيس الاشتراكية الدولية العام 1951  في مؤتمر في لندن وكانت من حين لآخر تضم المزيد من الأحزاب الأعضاء حتى وصلوا الى 163 عضوا .

 

التحالف التقدمي الذي ورث الاشتراكية الدولية عقد مؤتمره التأسيسي العام 2016  تحت شعار "نرسم المستقبل " لكن المستقبل القريب جدا رسمته (الشعبوية اليمينية اللا حزبية) التي لا تطرح أي برنامج بل شعارات تدغدغ الرأي العام وتستثمر في فكرة العداء للأجانب والمهاجرين والانغلاق على الذات والتعصب القومي أو الديني وإعلاء المصالح الأنانية.

وهذا المؤتمر عقد في ظل الصعود المخيف للموجة الشعبوية اليمينية، فرأينا عودة الروح لخطاب الأممية الإنساني ولأفكار التضامن والعدالة والتعاطف الإنساني، وبشيء من التعالي وروح التحدي، قال المتحدثون: مهما يكن فنحن الذين على حق ونحن على الجانب الصحيح وليس ضيق الأفق والتعصب والعنصرية والكراهية والجهالة، ليس ترامب وهو التعبير الأكثر تجليا للرعونة والجهالة المتفاخرة.

ربما أفسدت المدد الطويلة في الحكم والبراغماتية والتنازلات تجاه الليبرالية الاقتصادية الروح المبدئية لهذه الأحزاب  لكن صعود الشعبوية اليمينية التي تذكر بصعود الفاشية والنازية أعاد الروح الكفاحية التقدمية داخلها؛ إذ أنتج المؤتمر وثيقة سياسية تعيد التأكيد على المبادئ الأساسية وقيم العمل والتضامن والعدالة والاستدامة التنموية، وركزت بصورة خاصة على الالتزام بالتوجهات البيئية التي يسخر اليمين الشعبوي منها، ووصلت بترامب الى الانسحاب من الالتزام باتفاق باريس حول البيئة. ولاحظ الخطاب تحديات الحقبة الرقمية وطرح شعار " التقدمية في الحقبة الرقمية" مشيرا إلى الفرص التي تتيحها ثورة المعلوماتية والحقبة الرقمية لتعميق المشاركة وتقوية الرأي العام وتعميم المعرفة وضمان الشفافية، رغم وجود تحديات من نوع آخر تظهر مثل إفلات الثروات من الرقابة والضرائب. وفي أجواء مؤثرة تم تسليم درع التحالف لزوجة رئيس حزب  الشعوب الديمقراطي التركي الذي يقبع في السجن بسبب خطاب له في البرلمان التركي وصعدت الزوجة إلى المنبر، وألقت كلمة واعتبرت التكريم لآلاف المعتقلين في سجون أردوغان اليوم .

هناك نوع من استعادة الروح النضالية للمبادئ التاريخية للديمقراطية الاشتراكية (أو الاجتماعية) وفق الترجمة المعتمدة اليوم، إلا أن التيار اليساري والبيئي داخل هذه الأحزاب يستعيد قوته، ورأينا اليسار يفرض سيطرته في (حزب العمال البريطاني) وهو بزعامة جيرمي كوربن يخوض الانتخابات في مواجهة المحافظين لكن لا يمكن تعميم الظاهرة بصورة مطلقة؛ إنما واقع الحال أن الديمقراطية الاجتماعية ترى في نفسها اليوم الطرف الذي يقع على عاتقه مواجهة والتصدي للنزعات اليمينية الشعبوية الخطيرة التي تجتاح أوروبا وتهدد تقاليدها التنويرية والتقدمية.

عقدت العديد من الجلسات الحوارية لمحاور عديدة، وبالتوازي فلم يكن ممكنا الإحاطة ورصد أفضل الإجابات التي طرحت، لكن لم ألحظ فيما استمعت إليه عمقا جديدا لافتا لتحديات الساعة والأسئلة المؤرقة التي تطرحها؛ فالمساجلة النظرية الناقدة للخطاب الشعبوي اليميني مقنعة وجيدة لكنها لا تفسر بصورة كافية الأزمة العميقة للسياسة وللأحزاب التقليدية. والظاهرة العجيبة وغير المسبوقة تتمثل في ظهور قيادات بدون عمق وتاريخ سياسي وقاعدة حزبية متينة لا تطرح أي برنامج أو حلول حقيقية؛ بل تقدم خطابا عاما بدائيا يخاطب غرائز الجمهور فتهزم أحزابا تاريخية. هناك تراجع عام للسياسة التقليدية وللأحزاب القديمة المحافظة او التقدمية.

هل هذا اتجاه نهائي لغروب شمس الأحزاب التقليدية بيمينها ويسارها بما فيها الديمقراطية الاجتماعية؟ أم أنها موجة عابرة تنتهي مع اكتشاف فشل الأطراف الجديدة في الحكم؟ لكن هل تعود عقارب الساعة للوراء أم اننا إزاء مفهوم جديد للسياسة قيد الاكتشاف وإزاء إعادة تشكل لفكرة الأحزاب والانتخابات والبرامج ومحتوى الديمقراطية للحقبة المقبلة ؟!  سنجعل هذا موضوع المقال القادم.

 jamil.nimri@gmail.com

 *مقال خاص لموقع تنوير الأردن


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top