طور"صبحا العيد"
د. أنعام القيسي

طور"صبحا العيد"

تنوير – خاص

د. أنعام القيسي

 

صباح الخير يا حسبان مرة أخرى ...

 لحسبان البلدة الأردنية التي تتربع على جبل (تل ) محاذٍ لطريق الشفا من الجهة الشرقية وتطل على البحر الميت وأريحا وجبال فلسطين على الضفة الأخرى، في النفس مكانة وفي القلب منزلة وفي الخاطر رعشة اعتزاز، في حسبان العابقة بمفردات التراث المشرق، ومجريات التاريخ العريق، وبالبداوة العربية الأصيلة يحمس أهلها على النار قهوتهم، فتفتح أمامهم مسالك النخوة، ودروب الرجولة أمام العابرين إلى المجد والأصالة والنخوة، وغيرها من قيم المروءة التي عرف بها أهلنا الطيبون عبر تاريخنا الطويل الممتد.

في حسبان، قبل سبعين عاماً من عمر الزمن، يشير التاريخ باعتزاز إلى سيدات نسجن المجد، وتعطرن بطيب البطولة، التي تنفح بها أغصان الدفلى والقيصوم والشيح الرطيب ... في سكون الليل، وفي همس النسائم، وفي انتعاش الزعفران، في حسبان يذكر التاريخ أن هناك نساءً ليس ككل النساء، نساء بقيت أسماؤهن منقوشة على خارطة المكان كالوشم في ظاهر اليد، في حسبان "طور صبحا" ...

إنها "صبحا العيد البراري" التي عرف باسمها ذاك الطور ونسب إليها، وما أجمل أن ينسب المكان إلى امرأة بقامة صبحا العيد، ويعرف بها، لقد فتحت عيني على ذلك المكان منذ الصبا، فهو ليس بعيداً عن  بيت جدي "عودة القيسي"، وهو عبارة عن كهف طبيعي أو تجويف كبير في الصخر واسع من الداخل وذو مدخل عريض، عندما تقف على بوابته وتنظر فيه تسرح النظر في ساحة كبيرة مغلقة، وهو مظلم في النهار كما هو في الليل، لكنه ليس ككل الكهوف في بلادي، إنه يستضيئ بنور"صبحا العيد" وأفعالها الجميلة التي تشمل البشر والحجر والحيوان، لا فرق بينها جميعاً، فعندها لا تتكامل الحياة دون الانسجام بين عناصر الطبيعة في زمن كان يعاني فيه الناس من الجدب والعوز وضنك المعيشة، في زمن كانت فيه القيم الإنسانية تعلو فوق أي اعتبار، إلى هذا الطور كان  الحلال ( الماشية الأغنام والماعز ) يأوي ليلاً، بعد أن تسرح في الكلأ وتأكل من العُشب نهاراً في أطراف القرية وسهولها الممتدة، لقد تعلمت " صبحا العيد " كيف تعيش بجوار هذا الكهف مع هوامّه ودوابّه، مع برده وحرّه وتقلباتهما، وتعيش في الوقت ذاته في بيت الشعر الذي كان يقابله مع البشر.

عندما تنظر إلى " صبحا العيد " عبر نافذة الحكايات والقصص التي تسمعها تمثُل أمامك المرأة الحسبانية البدوية ذات القامة الطويلة الهيفاء المدققة بالوشم الأخضر على وجهها، المرتدية " المدرقة" السوداء والعصابة أو العصبة الحمراء ذات الطبقتين المصنوعة من الصوف الموشى بالقصب الذهبي أو الفضي أو كليهما تحيط برأسها، و"الملفع" حول وجهها المستدير ذي اللون الحنطي ينسدل على جيدها ليستره.

لقد اعتادت "صبحا العيد" أن تصحو كل يوم والفجر على ميعاد، لتحافظ على نظافة باحة بيت الشَّعر وساحته مستعينة على ذلك بالمكنسة التي كانت تصنعها من حزمة البلان، أو لتجمع الحطب وأعواد الشجر المتناثرة، أو روث الحيوانات، وذا فجر يوم شديد البرودة إلى حد التجمّد من عام 1948، صحت كعادتها وشاهدت بالقرب من كومة حطب كانت قد جمعتها من قبل ما خُيل إليها أنه " كبش " أو حيوان بري "ما" كان يرتجف كل جسمه من البرد، لا يبدو عليه الصحو- مهما يكن من أمر- إنه حيوان مستجير بها ملتجئ إليها، رقّ قلب "صبحا" لحاله وأشفقت على ذاك الحيوان المتخيل، واقتادته إلى "الطور" المقابل لبيتها مباشرة، وهي تحنو عليه بصوت رقيق، وأوقفته في إحدى زوايا الطور الذي كان يعج بالماشية، وربما لم تكن هذه الفعلة بالرفق بالحيوان هي المرة الأولى في أيامها ولياليها في شتاء حسبان القارس، وكادت أن تهمّ بربطه حتى لا يخرج  ولم تبعد عنه، ولما شعر بالدفء بعد حين وعاد الدم يجري في عروقه، وقف لحظة من الزمن، ... ثم أدبر وتولَى مسرعًا خارج "الطور" ومضى بسبيله. لقد استغربت ما جرى، فكيف تآخى ضبع البوادي والماشية لحظة من الزمن، وما بينهما سوى الثأر اللدود، ولم يستأسد عليها، ربما تولَّد لدى هذا الضبع إحساس كبير أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله،... ربما تخاذل أمام جرأة هذه المرأة التي امتلكت شجاعة الأسد في اقتياده،... ربما تولد لديه شعور بأن يتخلى عن حيوانيته في تلك اللحظة ليرد لها الجميل ويمضي بسبيله.

 

 

 

"صبحا العيد" كانت أطول النخلات في أرض حسبان، وكانت إذ تمشي ترافقها دجاجات، وتتبعها خراف وحملان ونعاج، وتحرسها عناية الرحمن.

هذه ومضةٌ من يوم في حياة "صبحا العيد" - رحمها الله - التي كانت مثالاً رائعاً لنسائنا وجداتنا الطيبات، وهي تقدم جانباً من قصص الشتاء في حسبان التي كانت وما تزال تبعث الدفء في النفس. وعلى الرغم من مرور هذه السنوات الطوال، فإنّ صِيت " صبحا العيد " الحسن ظل عميق الحضور في قلوب الناس، وفي طيات المكان.

 

مصدرالمعلومات: السيد موسى عطوة البراري


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top