لعمان رائحة الجياد في شعر أمجد ناصر

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

د. أنعام القيسي

لعمان رائحة الجياد في شعر أمجد ناصر

تنوير – خاص

د. أنعام القيسي

لقد شكل المكان الأردني مصدر إبداع للشاعر أمجد ناصر، فقد كان يأتيه الشعر في المنافي من مكان آخر غير المكان المعتاد عليه، ذلك أنه حمل معه في أمكنة الاغتراب والإقامة  عالمه " العالم الأردني ": الصحراء، والمناخات، والألفاظ، ومفردات الحياة اليومية  كلها على ما يبدو كانت شيئاً مختلفاً عن الشعر الذي كان يُكتب في بيروت آنذاك.

لقد حمل معه إلى بيروت وقبرص ولندن وغيرها من مدن المنافي ذاكرة البدوي العاشق للترحال في الأمكنة؛ أي أن المكان الأردني عامة والمكان الصحراوي خاصة ظل يطارده في كل الأمكنة التي رحل إليها، وقد ظهر ذلك واضحاً في أعماله الشعرية والنثرية المختلفة، لقد ظل يؤمن طوال حياته بأنه لا يمكن تصور كتاباته الإبداعية المتنوعة دون المكان لأنها بالأساس هي رحلة في المكان نفسه، ومن المكان الأردني الذي حضر في الديوان الأول "مديح لمقهى آخر"  بثقل وبقوة شديدة إلى الديوان الثاني "منذ جلعاد كان يصعد الجبل" إلى الثالث " رعاة العزلة "، وهكذا، ولقد كان المكان الأردني عامة والمكان الصحراوي خاصة يطارده في كل الأمكنة التي رحل إليها في المنافي.

ويجد من يتصفح ديوانه الأول "مديح لمقهى آخر" أنه يغص بأسماء الأماكن الأردنية، فهو لم يستطع أن يبرح المكان الأول (بادية المفرق والزرقاء)، وقد احتواه هذا المكان في ترحاله، حتى غدا جزءاً منه، لا يختلف عنه في شيء، وأصبح مكمن الإبداع الغني الذي ينهل منه تصوراته المختلفة.

لقد ترك أمجد ناصر الأردن فتى إلى لبنان فقبرص فلندن، وكان الفتى المنحدر من أسرة بدوية الذي هجر الأردن باكراً وأسلم نفسه للشتات والمنفى والاقتلاع، وقد استشعر باكراً أيضاً هذا المصير، فبدت مجموعته الأولى "مديح لمقهى آخر" استعادة قبل أوانها للسيرة البدوية، ومرثية للحياة البدوية، ومديحاً للعالم البدوي. وقد كان المكان الأردني في الفترة الأولى من إنتاجه الشعري قد ترك بصماته الواضحة بأسماء العلم المباشرة التي تحيل إلى المكان المحدد في الجغرافيا الأردنية، مثل فيلادلفيا، وعجلون، وراكين، والسبعة جسور، وعمان، وقناة الغور الشرقية، ومضارب القبائل الأردنية المختلفة، وغيرها، ويصر الشاعر على تسمية الأماكن ليمنح تجربته ما تستحق من خصوصية من جهة، ولتبرز أصالة تجربته من جهة ثانية.

ولعمان حضور كبير في إبداعات أمجد ناصر الشعرية وذاكرته، لأنها كانت أول مدينة حقيقية مدينة من حجر وزجاج ومن مساء ومن أحلام ومن خيبات، وفيها بدأت أولى تجاربه الشعرية الناضجة التي تمثلت في ديوانه الأول " مديح لمقهى آخر "؛  لذلك ظل على صلة مستمرة بها من خلال زياراته السنوية وعلاقته بأهله وأصدقائه واهتماماته، ويعبر عن تعلقه بها بقوله: "أعجبني تعبير للكاتبة الألمانية هيرتا موللر الحائزة أخيراً على جائزة نوبل حول الوطن، تقول: ما معناه: غنِّ للمكان الذي لا تطيقه عندما تكون فيه ولا تكف عن التفكير به عندما تكون خارجه".

وتحضر عمان من خلال شوارعها ومقاهيها وضواحيها وجبالها: "المحطة، ومقهى الجزيرة، وجادة الملك فيصل، والأشرفية، وماركا، والجسور السبعة وغيرها، يقول في قصيدة "أبواب للسماء ولكنها ضيقة":

لعمان رائحة الجياد

والقميص الوحيد المعلق في خزانة الأرملة

لعمان رائحة الأجساد المرهقة

أفكر الآن:

هل كان البنك العربي

قريباً من ماء السيل

قريباً من آخر الليل

أم كان بعيداً عن قلبي

ترتعش الأصابع المشيرة نحو الأفق

لا.. كان صيفاً لا سبيل إلى إطفاء حرائقه

كان وقتاً مكرساً للانتكاسة

في المحطة يتشكل المشهد

حقائب من جلود وأحجام ومحتويات

مختلفة، وجوه تتطاول وتشرئب

واللافت للانتباه أن أمجد ناصر يخلع صفة الأنسنة على أمكنته العمَّانية، ويجعل منها شخصيات وكائنات شعرية، فهو يشير في عنوان ديوانه الأول "مديح لمقهى آخر" بشيء إلى هذا الملمح مبيناً أن الممدوح ليس شخصاً بشرياً بل شخصاً مكانياً هو المقهى المعروف بـ"مقهى الجزيرة" فيصبح المقهى إنساناً ينحني على ركبتيه، ومن ثم يصل إلى موقف مختلف مع بقية البشر، يقول:

أقمت طويلاً؟

ومقهى الجزيرة لم ينحن في المساء

على ركبتيه

لم يشتهِ شارعاً آخر

لم يضق بمساحته

وبأخشابه الشتوية

بالزُبن الدائمين

ولم يرتجل مشهداً للنساء المثيرات في المدن

الساحلية

لم ينته ضيّقاَ كيديك،

ولم ينتشر كالدماء

فـ"مقهى الجزيرة" المكان، صار إنساناً ينحني في المساء، خارجاً من ماديته الجامدة، وهذا يتّسق مع الرؤية السابقة في النص، التي جعلت المقهى عالماً بما فيه من بشر، يشهد عليهم ويحاورهم، والذات الشاعرة منهم، وعندما يأتي المساء يتحول المقهى إنساناً، والشوارع أيضاً معه، لا تضيق به ولا بما فيه، ويقول:

لم ينته ضيقاً كيديك

ولم ينتشر كالدماء

 أي أنه تجاوز البشرية في ضيق يديها؛ وفي ذلك دلالة على تقتير اليد أو قلّة ما تمتلكه اليدان، وعندما يهترئ المقهى لن تتبعثر أشياؤه وتصبح سائلة كالدماء. لقد اتسمت عملية تفاعل الشاعر المبدع أمجد ناصر مع المكان الأردني بالسعة والعمق، حيث غدا هذا المكان في شعره جزءاً جوهرياً من أجزاء الصورة الشعرية، ذلك أنه لم يعتمد في تشكيل المكان على اللغة وحدها، بل وظّف الخيال وغيره من أدوات الخطاب الشعري.

 

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top