قوة النور | غازي الذيبة

قوة النور

غازي الذيبة

التنوير؛ ربما يكون مفهوما جديدا في عالمنا العربي، ومن سيذهب الى انتشال توصيف له من تاريخنا، سيجد نفسه أمام سؤال: أين نحن اليوم؟، ليكتشف كم نحن معتمون.

قد نحتاج إلى تنضيد هذا المفهوم، ليمكّن من لم يعرفوا معناه، وادراك ملمسه، وقوة فاعليته، من الانتقال من سجن الجهل إلى فسحة المعرفة. ليس ثمة مكان اليوم للجلوس تحت سقف العالم من دون إدراك لقوة التغييرات التي تجري فيه، وقوة النور التي تنقل شعوبا كاملة من الغابة إلى المصنع، من مطاردة الفرائس والغزو، إلى مطاردة الفيروسات الضارة ووقف انتشارها.

ليس هناك إمكانية للبقاء في زاوية "اليك"، لمراقبة العالم وهو يمضي نحو آفاق سنحتاج وقتا شاقا كي نتمكن من رؤيتها جيدا.

التنوير فاعل حيوي، يبدأ من النقطة التي يمضي فيها القلب مشيا على نبضه، نحو المقارنة بين الوعي واللاوعي، بين الجهل والمعرفة، بين الحوار والقهر. بين الظلم والعدل. لا مكان للعقول المستريبة من فكرة التنوير في عالمنا.

كل مصلحي العالم، حين خرجوا من قمقم مجتمعاتهم المهترئة بالظلم، ذهبوا أولا لإضاءة شمعة في طريق أبناء جلدتهم، ليستدلوا بضوئها على العدل، على ما سينتشهلم من حضيض العتمة، على ما سيعينهم للصعود إلى مراتب الأمان الروحي والإنساني، ويدفع إلى مقام الفعل الخلاق، والإبداع الاستثنائي، الذي يجعل حياتهم أفضل.

نعلم أن مثل هذه المهمة صعبة، وقد تضعنا في مواجهة مع ذوات معتمة، تنتشر بيننا بقوة العتمة التي لم تنقشع بعد، وتصر على أنها تضيء منازلها يوميا بالكهرباء. الأمر هنا بسيط بالنسبة لهذه الذوات التي تغيب عن الوعي، لأنها تظن بأنها تمتلك الحقيقة، وهذا ظن إثم لا يتزحزح، ولن يفتح أبوابا للهواء والتنفس بقوة، تعيد للإنسان حاجته للعيش في مساحة آمنة، تقيه الجوع والمرض والجهل. 

قلة هم المتنورون، حملة المشاعل والأفكار التي لا تتفق مع المعتمين. قلة أولئك الذين يصعدون درج الوعي، بعد أن تسيل أرواحهم في الطريق، وتنغرز أشواك المعتمين في أجسادهم، قبل أن يبدأوا بدحر العتمة عن منازل أرواحهم. قلة جدا، من يرون في النور إشراقا يعيد تنضيد الوعي، وتأثيث المعنى الإنساني لإقامة فكرة الضوء في عالم، تضبطه أقفال الماضي، وتمنع تخلصه من صناديقه المعتمة، المغلقة المشحوذة بسيوف الأجداد الغزاة، سادة القهر والتصلب العقلي، وموزعي العتمة على الخرائب التي تركوا قتلاهم فيها.

في عالم تلتبس فيه الرؤى والمفاهيم، تصبح العتمة سيدة جميلة، والتطرف قافية يتغنى بها شعراء الجهل، والقوة، مسندا لذبح كل ما يخرج على مسننات طريق الأسلاف المريضة بالجدري والطاعون والحروب والفقر والظلم.

نعم، سنحتاج إلى النور لنطفئ عتمة قرون، ما تزال تستعيد أنفاسها بيننا، بقوة القابضين على جمرة التخلف والعبودية والجهل.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top