روحي العمّانيَّة جدا | لارا مصطفى صالح

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

روحي العمّانيَّة جدا

لارا مصطفى صالح

هي الحياة. عجولة بطبعها. تحكم إغلاق الأيام بصور تغفو في غرف القلب، وأصوات ترن في الذاكرة بارتباك. وهذه روحي وهي العمّانية جدّا، بل أكثر مما ينبغي، تدور في فلك الزمن غربة، لقاء ورحيلا... وهي هي عمّان، نصّ شوق باذخ وعال، تمددت فيه البلاغة وانسابت الأبجدية راضية مرضيّة. تصغي إلى إيقاع قدميّ وأنا أسير في شوارعها، تنظر إليي بمزيج من الشفقة والتأنيب، كما لو أنها لم تتوقع زيارتي أبدا. أرمي رأسي في حضنها، وأبكي. تمسد شعري وتمسح بكفها غبار الغياب عن وجهي. ترتفع حرارة جسدي وكل الأشياء التي معي، فثمة ما يجعل اللقاء أقل بهجة مما تصبو إليه نفسي. تنقصني - في ما يبدو- هيبة أبنائها المقيمين على أرضها.

 

 شتاء عمّان حائر الرياح، وحنون أيضا؛ فيه يتنفس الأحياء والراحلون الكلام والصمت والخير والشر والواقع والمستحيل والمكان والفراغ. المحلات مكتظة بالمعاطف الأنيقة، يتزاحم الناس أمام غرف القياس، ويخرجون بأيد باردة. المشهد أقرب إلى تدريب على مسرحية ساخرة.

 

من على تلك الطاولة في أحد الأماكن في وسط البلد. جلست لأحتسي القهوة وأسندت ظلي إلى جذع تينة عتيقة في الذاكرة. مراهقان يسيران بعبث ويكيلان الشتائم على الثانوية العامة ويتبادلان النكات على المدرسين. أحدهما، بعد أن سحب نفسا عميقا من سيجارة أشعلها للتو، أقسم بروح والده أنه من سيتربع على عرش القبيلة بعد وفاة جده. سيدة تجلس بجانب زوجها (في ما يبدو) في سيارة رابضة على الرصيف، وبينما كان هو منشغلا في مكالمة هاتفية، كانت هي تسترق النظر إلى أحد المقاهي من تحت نقاب غطى كامل وجهها وعينيها، وكأنها مُسّت بسؤال: لم لستُ هناك؟ رجل ستيني في ثياب أنيقة، وقف أمام جدار قاتم، وضع يده على زر سرواله، بدا واضحا من هيئته أنه يتأهب لفكه كي يبول على الجدار، لكن جلبة أحدثها البعض منعته. أجزم أنه لو كان الجدار جمبلا مزخرفا لانسربت منه الألوان ودفعت عن الرجل تلك الروح البدائية التي سوّلت له التفكير في ما كان ينوي ولو كان وحيدا بلا رقباء. الجلبة التي منعت الستيني أحدثها بعض الناس الذين تدافعوا ناحية برلماني مشهور، وهو يغادر المقهى فأحاطوه من كل صوب وجانب. صافح النساء واحتضن الرجال وقبّلهم، إحدى السيدات فاضت مشاعرها وهمت أن تلف ذراعها حوله لالتقاط صورة، فتمنع في البداية ثم نظر نحو زوجته فسمحت له بإيماءة. طفلة لم تتجاوز سني عمرها السبعة أعوام، كانت تطوف بين هؤلاء الناس على غير هدى تستجديهم واحدا تلو الآخر، لم يعرها أحد اهتمامه، ناداها البرلماني، وبزهو دس في يدها ورقة نقدية. تأملت الصغيرة الورقة وقلبتها بين كفيها، شكرته بابتسامة مجروحة، ثم جرت نفسها بخطوات مرتبكة، وضعت رأسها الصغير على زاوية الرصيف، شدت أسمالها الرثة على جسدها الغض، توسدت الورقة، وأغمضت عينيها، ونامت. قطّان صغيران يتقافزان أمامي كأنما يعلنان عن وجودهما لغاية ما. عبارة لا تزال متشبثة على ساق التينة التي ما تزال في الذاكرة رغم تعاقب الفصول. تقول العبارة: (كي لا أسقط في غواية الحنين، سأظل أتلمس مواضع خطاي)! ثمة مذاق مر لهذه الجملة، وكأنها جزء من نص هرب من كتاب واتخذ التينة متكأ!

سيدة خمسينية في كامل بهائها. لم ينل الزمان من دهشتها، تمشي بخفة شابة في العشرين، في يدها كيس صغير وفي عينيها بارقة حب سماوية. جلست بجانبي، مسحت بيدها على الكيس كما لو كانت تقبل حبيبها الذي يعينها على حمل عمرها. سألتني عن اسمي، وتحدثنا باقتضاب، لم نطل الحديث لئلا نكسر إيقاع الرياح على التينة. فتحت الكيس وأخرجت سبعة مصابيح صغيرة، أنارت المصابيح وقالت: ليس للمقيم وحده تذاب العتمة، وصبّت لعنتها على الشيطان كما كانت تفعل ستّي، ذلك أن الغربة -حسب تعبيرها- جزء من خطة الشيطان!

لاحت على وجهها الجميل ابتسامة أما كأنما تؤكد قوتها. رفعت وجهها وغنت بصوت صاف كأنه آت من بين طيات السماء (في حجم بعض الورد إلا أنه لك شوكة ردت إلى الشرق الصبا)... ذكرني صوتها أن سحر الحياة قد يكون كامنا في التباساتها، وذكرني ذلك المقطع من أغنية "أردن أرض العزم" أن الأمل، رغم قسوة الغربة والمنافي القصية ورغم كآبة الشتاء، ما يزال موجودا. أما مصابيحها السبعة، فكما أقنعتني بأن في وسعي أن أكون امرأة لا ترضى بالوقوف على الأطلال، قد أكدت لي كذلك أن موقع "تنوير الأردن" بعد أن كان حلما مؤجلا في وجدان فرسانه، لن يكون عصيا على المستحيل وحسب، بل أملي به أن يكون خطوة جديدة لمرحلة إعلام حر جديد. ما أحوجنا إليه!

 *مقال خاص لموقع تنوير الأردن

 


مقالات ذات صلة

تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top