الفقد في عام كورونا.. ألم مضاعف
تعبيرية

الفقد في عام كورونا.. ألم مضاعف

عمان – تنوير

ربى الرياحي

 

عمان – على شوق الذكريات والحنين للأحبة؛ تودع منال عام كورونا وقلبها يعتصر حزنا على فراق والدها، السند والأمان، والكتف الحانية التي كانت تتكئ عليها في كل الأوقات، ذلك القلب الدافئ الذي كانت تختبئ فيه هاربة من غدر الحياة وصفعات الزمن.

وتبين أن وفاة والدها وهي بعيدة عنه كونها كانت خارج البلد، ستبقى حرقة في قلبها لن تفارقها أبدا وسيظل صوته الحنون ونظراته المحملة بالحب لها ذكرى تعيش عليها تتصبر بها على مرارة فقدها له وفكرة أنها لن تراه ثانية أو تحتضنه.

منال لم تعد ترى البدايات في أي شيء وحتى العام الجديد بات بالنسبة لها لحظة مرة وصعبة ستذكرها بخسارتها الكبيرة لوالدها. هي اليوم تقف على أعتاب العام الجديد ملقية ما لديها من أحلام وخطط مستقبلية جانبا لعلها تستطيع أن تستعيد قوتها بمساندة أبنائها وصديقاتها المقربات ومواساتهم لها وتطبيب جراحها التي تنزف رغما عنها قهرا ووجعا وحرمان.

عام مرير وموجع سيودعه الأربعيني صالح بكل ما فيه من ألم ولحظات صعبة مرت عليه بثقلها وسلبته أغلى ما يملكه أمه. رحيلها عن حياته بشكل مفاجئ نتيجة إصابتها بفيروس كورونا وتسببه لها بمضاعفات لم يقو عليها جسدها المتعب، هو اختبار قاس سيصعب عليه تجاوزه بسهولة ونسيان ما حدث معه خلال هذا العام الذي سيبقى بالنسبة له جرحا عميقا لن يلتئم حتى بمرور السنين.

غصة ستظل تخنقه وتؤجج في قلبه النيران التي لن تنطفئ مهما حاول إخمادها. صالح لم يكن يتوقع مطلقا أن هذا العام سيكون الأصعب في حياته على الإطلاق وأن كورونا سيكون وجعا يسكن روحه بقية عمره.

هو في البداية اعتبره مرضا عابرا ستتخطاه أمه بإرادتها القوية وبوقوفه إلى جانبها، لذا كان قراره عند سماعه بخبر إصابتها أخذ إجازة من عمله والتفرغ لخدمتها حتى تشفى وتستعيد صحتها تماما، لكن الحياة لا تسير وفق إرادة أحد وأمنياته ورغباته فأمه لم تستطع المقاومة وهزيمة هذا المرض اللعين.

كان وداعها هو النتيجة الحتمية التي أشعرت صالح بالانكسار والحسرة والألم، وجعلته وكأنه مغيب عن عالمه حتى بعد عودته إلى عمله لم يكن قادرا على التصالح مع فكرة وفاة والدته وتقبلها، فظل دائم الشرود حزينا. تلقيه للدعم والمساندة والمواساة من قبل زملائه كان له دور كبير في خروجه من محنته وتعايشه مع الواقع رغم عدم قدرته على النسيان.

كورونا بقسوته سرق من القلوب أمانها وربما تفاؤلها وغرس أوجاعه الثقيلة المرة بعمق داخل أرواح تفتش عن الفرح والأمل في كل شيء وربما كانت تنتظر العام الجديد بفارغ الصبر لتلقي بكل تلك الضغوطات خلفها وتمضي مستلهمة من البدايات كل الخير والطمأنينة، والبحث عن ضوء ينير تلك العتمة التي توغلت طويلا وأطفأت الكثير من الشغف والأماني والأحلام.

لم يعد العام الجديد بالنسبة لكثيرين وتحديدا أولئك الذين فقدوا أحبة لهم بداية تغمرهم بالسعادة والأمل مرفأ أمان لأمنياتهم القادمة وطوق نجاة ينقذ ما تبقى من حياة داخلهم بإمكانها أن تعوضهم عما عاشوه من جروح وأحزان وتحول خوفهم إلى سكينة.

الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة يبين أن العام 2020 “ترك بصمته في حياتنا جميعا بما فيه من حزن وألم وذكريات ستظل عالقة في زوايا الروح مدى العمر”، مضيفا أنه قبل مجيء كورونا كان الكثيرون ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر ويستقبلونها بلهفة كبيرة لاعتقادهم أنها ستحمل لهم بين أيامها الأمل والسعادة والنجاح والراحة وتغير الكثير في واقعهم الذي يعيشونه هم من وجهة نظرهم أن البدايات دائما ما تخبئ لهم الأجمل وتحرضهم على الحياة، تدفعهم لأن يفتحوا قلوبهم لها ويتمسكوا بأحلامهم جيدا.

لكن اليوم ومع انتشار وباء كورونا، يتطلع الكثيرون ممن فقدوا أحبة لهم إلى نهاية العام بمرارة تحفر ندوبا عميقة لا تزول آثارها حتى وإن أكملوا حياتهم. فراقهم لأغلى الناس على قلوبهم، وحرمانهم من ضحكاتهم وأصواتهم وقلوبهم المحبة الدافئة هي أوجاع ستقف حاجزا بينهم وبين العام الجديد على الأقل في البداية. هؤلاء، وفق مطارنة، يحتاجون في مثل هذه الأوقات إلى مساندة أشخاص قادرين بحبهم على تضميد جراحهم وشد أزرهم وإشعارهم الدائم بالاهتمام وبأنهم المأوى لحزنهم وضيقهم متى ما أرادوا ذلك والواصل باستمرار معهم والسؤال عن أحوالهم والسماع لأحاديثهم.

ويقول الأخصائي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، “في هذا العام كان لانتشار وباء كورونا الذي أصاب أعدادا كبيرة وتسبب بوفاة آخرون، أثرا كبيرا في النفوس وذكريات صعبة تركت أثرها”.

وربما يشعر بعضهم بندم على مواقف بدرت منهم تجاه أحدهم أو أكثر لأنه أدرك أنه لاشيء يستحق أن من اجله ان نسيء للآخرين، وفق سرحان الذي يبين أنه كلما كانت العلاقة أقوى بين الأشخاص كان الفراق أكثر صعوبة، فالمواقف متعددة والذكريات أكثر فيتجدد الحزن مع كل ذكرى أو موقف أو صورة، فيكون التعبير عن الحزن بالدموع أحياناً وذكر محاسن الغائب أحياناً أخرى.

ويذهب إلى أن الحزن لا يتوقف عند لحظة الموت والفراق فقط، “فالحياة تستمر بعد موت أعز الناس علينا والانعزال عن الآخرين لن يوقف عجلة الزمن، فمسؤوليتنا ودورنا أن نعمل بأقصى ما نستطيع ونحرص على العلاقة الطيبة ومع الآخرين فالموت فيه دروس للأحياء”.

ومن البر للأقارب والوفاء للأصدقاء ذكرهم الحسن بعد الموت والدعاء لهم وحقوق الصداقة تستمر حتى بعد موت أحد الأصدقاء ومنها أدامة التواصل مع أسرته خصوصاً في المناسبات. وكلما كان الشخص اكثر قرباً من الشخص المتوفى كان أكثر تأثراً وحزناً، فالزوجة والأبناء والأخوة اكثر حزناً على فراق الزوج والأب والأخ والأخت، وبعض الأصدقاء تكون علاقته قوية مع هذ الشخص وأمضيا سنوات معا في العمل أو الدراسة، فحزنه كحزن الأسرة وهو بحاجة إلى من يواسيه أيضاً.

مسؤولية الأخ الأكبر تزداد بعد موت الوالد، ويتطلب منه أن يحافظ على اجتماع الأسرة الكبيرة والتواصل مع أفرادها والحرص على انفاذ وصيته، والتواصل مع أصدقائه فهو إن كان بحاجة إلى من يواسيه ويقف إلى جانبه فهو أيضاً يصبح أكثر قوة عندما يتواصل مع الآخرين، فالنفوس تشد أزر بعضها بعضاً.

ويؤكد سرحان أهمية تأكيد قيم الوفاء ومواساة الضعيف وهو نوع من التكافل الاجتماعي المعنوي الذي ربما يكون بعضهم أكثر حاجة إليه من أي شيء آخر، وهي الصورة المشرقة التي يجب أن نعكسها عن مجتمعنا وتجعل من الشخص أكثر حرصاً على علاقاته وصداقاته وإن كانت بعيدة عن صلة القربى والدم فنجعل من الحياة قيمة سامية يستمر أثرها حتى بعد الموت.

 

الغد


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top