التصدع الاجتماعي في زمن كورونا
تعبيرية

التصدع الاجتماعي في زمن كورونا

عمان – تنوير

ربى الرياحي

 

عمان- باتت الجائحة، بكل إسقاطاتها النفسية، خطرا حقيقيا آخر يضاف لقائمة الآثار السلبية التي تضرب بجذورها عميقا، وتنال من سكينة وأمان الأشخاص.
“كورونا” لم يكتف بأن يكون كأي مرض تقتصر تأثيراته على الصحة فقط، بل امتد بقسوته ليتسبب بأضرار أخرى قد تظهر على المدى البعيد، منها الوحدة المزمنة وانعدام الهدف في الحياة وتصدع العلاقات الاجتماعية والميل للعالم الخاص نتيجة إجراءات التباعد.
هي في حقيقتها مخاوف قد تتحول إلى واقع في المستقبل يقضي على الكثير من قيم الترابط والمساندة والتراحم، ويصبح من الصعب جدا ترميم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء وحتى الجيران، كما قد يصبح هناك قلق من مخالطة الآخرين فيكون الحل الوحيد هو الانسحاب من كل مظاهر الحياة الاجتماعية.
الطالبة الجامعية ملك عمر تستغرب من نفسها كثيرا، وتجد أنها لم تعد كالسابق أبدا؛ إذ كانت قبل “كورونا” تمتاز بشخصيتها الاجتماعية وحبها للخروج وتنظيم الرحلات والتعرف على الناس بحكم أنها دائمة البحث عن أصدقاء حقيقيين تتقاسم معهم الهموم والأفراح ويكونون لها الملجأ، وصندوق أسرار تخبئ داخله شيئا من روحها وتفاصيل وذكريات تحتاج لأن تضعها بأيد أمينة بعيدا عن فضول الآخرين ممن يكرهونها أو يحقدون عليها أو يتمنون تعثرها. وتبين أن الوضع اختلف كثيرا مع وجود الأزمة والإغلاقات وانتشار الخوف في كل مكان، الأمر الذي دفعها للانكفاء داخل عالمها الخاص، معتبرة أن أمانها يكمن في بقائها بالمنزل وابتعادها عن كل من حولها حتى صديقاتها اللواتي كانت تسعد برفقتهن ومجالستهن والحديث معهن لأوقات طويلة يوميا وذلك دون كلل أو ملل.
مؤخرا، وبسبب تطور الجائحة، تحاول باستمرار البحث عن اهتمامات جديدة تنفعها في وحدتها وتجنبها شبح الفراغ. شعورها بأنها بمأمن من كل خطر يجعلها تحب وحدتها وتقدسها غير مكترثة بأن تعود لطبيعتها وتستعيد حياتها الماضية بما فيها من مغامرات وتسلية ولحظات صاخبة.
أم أدهم هي الأخرى تجد أن أزمة “كورونا” حجمت العلاقات الأسرية وأفقدتها طقوسها، وتلك الأجواء القائمة على اللقاءات والتقارب. تقول “منذ أشهر طويلة، وتحديدا مع بداية انتشار الفيروس واللجوء للإجراءات الوقائية، تشتت شمل العائلات وقلت الزيارات بينهم لدرجة أنها باتت تقتصر عند الكثيرين على مكالمات الفيديو ومواقع التواصل الاجتماعي”. وتوضح أنهم كعائلة محبة للسهر والجمعات شعروا حقيقة بذلك التغير وأتعبهم جدا، لكن مع مرور الوقت أصبحوا أكثر تأقلما مع الوضع الجديد بل حتى باتوا يرون في التباعد خيرا لهم وحلا يحميهم ويساعدهم على تخطي المرحلة بأقل الخسائر. لم يعد يعنيهم أو يقلقهم انعدام اللقاءات والتزامهم البيت طوال الوقت، استكانوا لوحدتهم وتجنبهم مخالطة الناس، ولم يعد ذلك الوضع يؤثر عليهم ويربك راحتهم.
يقول الاخنصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة “إن الإجراءات الوقائية المرافقة لكورونا من إغلاقات وحظر وقيود على لقاءات الناس وحركتهم بالتأكيد لها تأثير سلبي ونفسي على الجميع وعلى سلوكهم وشعورهم بقلة التواصل بينهم وبين أصدقائهم وأقاربهم وحتى علاقتهم بالمحال والشوارع والأشياء التي يحبونها، لكل ذلك انعكاساته السلبية على النفسية، فحتما تظهر مشاعر القلق والتوتر والاختناق والضيق لدى الناس”.
ويلفت مطارنة إلى أن هذا الوضع إذا استمر طويلا سيولد بالطبع ضعف التواصل وافتقاد مهارات الحوار، فالشخص في هذه الحالة يصبح ليس لديه جلد على محادثة الآخرين أو حتى الكلام بشكل عام ويصبح وجود الناس بالنسبة له أمرا مزعجا لا يقوى على احتماله والتأقلم معه، وذلك لأن ممارسة السلوك لفترات طويلة تجعله جزءا من الشخص.
ويرى الاختصاصي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان، أن انتشار وباء “كورونا” كان له آثار سلبية على معظم القطاعات وجوانب الحياة، ومنها الجانب الاجتماعي والنفسي، وذلك بسبب إجراءات العزل والحجر والتباعد وتوقف عمل الكثيرين أو انخفاض أجورهم، وتدني الدخل لديهم أو بسبب إصابة أحدهم بالوباء أو أحد أفراد أسرته.
والآثار الاجتماعية والنفسية السلبية تتفاوت من شخص لآخر ومن أسرة لأخرى وهي تعتمد على عوامل عدة، فالبعض تأثر بشكل كبير وربما يحتاج إلى وقت أطول للعودة إلى حياته الطبيعية وعلاقاته مع الآخرين، والبعض كان أقل تأثراً واستمر في التواصل مع الأقارب والأصدقاء مع مراعاة الشروط الوقائية الصحية.
ووفق سرحان، فإن الأمر الأساسي الذي يساعد على التخفيف من الآثار الاجتماعية والنفسية لدى الشخص هو تفهم السبب الذي أدى إلى إجراءات الحجر والتزام المنازل، وهو إجراء وقائي الهدف منه الحد من انتشار الوباء، وهي مسؤولية مشتركة للأفراد والأسر والمجتمع والدول، ولا يمكن نجاح هذه الإجراءات إلا بتعاون الجميع.
والإنسان في هذه الحالة يجب أن يشعر أن له دورا كبيرا في حماية نفسه وحماية الآخرين، فهو إن ابتعد جسدياً عن الناس إلا أن هدفه السامي هو المصلحة فهو يشعر مع غيره. وكان من الضروري استمرار التأكيد أن التباعد الذي يدعو إليه أهل الاختصاص هو تباعد جسدي وليس تباعداً اجتماعياً، والفرق بينهما كبير، فالشخص وإن كان بعيداً جسدياً عن محيطه إلا أن مشاعره وأحاسيسه معهم، وهو متكافل مع مجتمعه معنوياً ومادياً، فالجميع يضحي لأجل الجميع. ويبين سرحان أن هنالك الكثيرين ممن استفادوا من فرصة العزل والتباعد في توظيف طاقاتهم الذاتية والاستفادة منها والتركيز على الهوايات ومراجعة النفس وتمتين علاقاته مع أسرته، واستمر في التواصل مع الآخرين عن بعد بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي، وهي كثيرة ومتاحة بالصوت والصورة، وهذا يخفف كثيراً من الآثار السلبية ويُشعر الشخص بالطمأنينة ويبعده عن التوتر والقلق والشعور بالوحدة.
الهدوء يمنح الإنسان قدرة أكثر على التفكير إذا وجه تفكيره لإيجابيات العزلة وأنها عزلة مؤقتة يجب استثمارها للوصول إلى ما بعدها وأن فقدان الحرية لفترة محدودة يمنحنا جميعاً سعادة وراحة مستقبلية، فالصبر في مثل هذه الظروف قيمة كبرى وكذلك القدرة على إدارة الوقت بطريقة إيجابية نافعة.
أما الأشخاص الذين أمضوا معظم الوقت في النوم أو تناول الطعام والتدخين والإدمان على الألعاب الإلكترونية والتلفاز والتفكير السلبي، فقد كان الأثر عليهم بالغاً، خصوصاً مع الاستمرار في متابعة أعداد الإصابات والوفيات عبر العالم والاستماع إلى الإشاعات والأخبار الكاذبة.
هنالك من فقد عمله خلال الأشهر الماضية أو انخفض دخله بشكل كبير أو تعرض للمرض، فهؤلاء كان تأثرهم في الغالب أكثر وربما ظهرت عليهم الأعراض السلبية سواء الصحية أو النفسية، وهنا يأتي دور المجتمع ومؤسساته في متابعة أحوال مثل هؤلاء وتقديم العون لهم خلال الفترات الماضية لإشعارهم بأن المجتمع يقف إلى جانبهم وأنه متكافل معهم وأن هذه الأزمة إلى زوال وأنه ليس وحده وأن المستقبل سيكون أفضل.
وبحسب سرحان، فإن جائحة “كورونا” تركت آثارها على الجميع وما تزال، والتعامل مع الآثار الاجتماعية والنفسية يجب أن يكون أولوية، وهي مرتبطة بالآثار الأخرى كالاقتصادية وتغير نمط التعلم إلى التعلم عن بعد، وما تركه من آثار على الأسرة والأبناء.
وهنا يكمن دور الجميع؛ مؤسسات وأفرادا وإعلاما أيضاً، في نشر التوعية وتقديم البرامج والمواد التي تسهم في الخروج من هذه الحالة. ونشر الأمل والتفاؤل وأن فترة العزلة والتباعد الجسدي إذا أحسنا التعامل معها ستساعدنا جميعاً وأن التفاؤل بالمستقبل يمنحنا قدرة أكبر على المواجهة ويحسن من الصحة النفسية وهي ضرورة لمواجهة الوباء وآثاره. وإنه في كل الأحوال لا ينبغي الانكفاء على الذات والانعزال النفسي لأن خطورة ذلك كبيرة على الشخص والمجتمع، فالتواصل مع الآخرين مهم في كل الظروف ضمن الوسائل المتاحة وممارسة الرياضة أيضاً.

 

الغد


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top