الناقدة نورا علي عن قسم البنفسج: جمال القيسي أدرج تفاصيل مهمشة يجهلها جيل بأكمله
الناقدة نورا علي

الناقدة نورا علي عن قسم البنفسج: جمال القيسي أدرج تفاصيل مهمشة يجهلها جيل بأكمله

تنوير – خاص

نورا علي

اختلف الباحثون حول مفهوم السرد، كونه مرادفًا في مصطلحه لعدة مفردات؛ فسرد أي قدم شيء إلى شيء، فيقال: (سرد الحديث سردًا) عند  الإطراء على حديثه.

ويُقال:( ساق الكلام) أي في سياق الحديث.

ويُقال: ( يا بني اقصص علينا..) أي أخبرنا.

لكن ماذا عن مفهوميّ ( الفابيولا) و ( السوزجيت)؟

 فالأول ؛ تناول مادة مكتوبة من حيث تتابع الحدث، بينما الثاني؛ تناول الحدث بالإشارة إليه.

متناولا سلسلة من الأحداث وما ترتب عليها ودوافعها... فبين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فيصل صغير.

لذا ظهر مبدأ التغريب؛ وهو الخروج عن كل مألوف في الأدب.

لكن المألوف في الأدب ظل سائدًا ومقبولًا أكثر لدى غالبية  القراء وخاصة عند عُشاق القصّ الوقائعي المرتكز على وقائع تاريخية وسياسية تلامس قضاياهم الجوهرية والحياتية اليومية.

 رواية قِسم البنفسج للروائي الأردني جمال القيسي.

من الروايات الكلاسيكية المكتملة عناصرها؛ اللغة توافقت مع أحداث الرواية حيث تم ادراج جُملًا من العامية الأردنية الدارجة برشاقة متناهية لم تفصلنا عن اللغة الفصحى السائدة على لغة الرواية.

وقد اعتبر بعض النقاد استخدام العامية بين الفصيح سقطةً من سقطات السرد، كون اللغة الفصحى أكثر ثراءً وفيها من البدائل ماهو غني عن اللجوء للمفردات العامية، بينما اعتبرها فريق آخر هوية الكاتب التي تقارب بينه وبين القارئ فتمنحه مزيدًا من المصداقية والواقعية.

وهنا يعتمد الحكم على إمكانيات الروائي في توظيف اللغتين في التوقيت والمساحة الملائمين للعمل، ولابد أن نقف عند (( حين ترّشحت للانتخابات رسـمياً عـدني كثيـرون مـن أقربـائي جاحـدا لمعـروف عمّـي الـذي أنقـذني مـن احتمـال المكـوث في السـجن عـدة سنوات!

قال سند: - احتراما لذكرى فهد بيك يا (عّمو) أخرجتك من سـواقة وأنـت

تعرف أن من كانوا معك قضوا سنوات في السجن! - شكرا لك،وبالمناسبة أنت تدّخلت بعد شهرين ولم أسمع عن أحد ممن كانوا معي تم سجنه سـنوات، بـل هنـاك مشـاركون في المظاهرات خرجوا في اليوم التالي بتدخل أقربائهم وأعمـامهمِ! هذا ليس موضوعنا الآن. نحن في تنافس ديمقراطـي لا في جـْردة

حساب عشائرية! رد ضاحكا:

- (نسايبك.إخوان مرتك بحملتي..شوشعورك؟)

 أجبته بقرف:

(مبروكين عليك)!)) 

جمال القيسي سارد يمتلك لغته ويُجيد توظيفها بما يتناسب مع الحدث والحوار.

رواية من الحجم المتوسط ٢٤٠ صفحة تحكي قصة (فارس) الشاب العربي الذي انخرط مع الأحداث التي تجري في فلسطين عبر المشاركة في الحراكات والاحتجاجات التي ينظمها الطلبة في الجامعة.

وحكي من خلالها عن الأحداث التي شهدها جيل مطلع التسعينيات، وتعد هذه الحقبة من أكثر الحقب أحداثًا كونها  شهدت العديد من الانهيارات على الصعيد السياسي، فقد شهدت بداية التحولات التي طرأت على البلاد العربية.

ولم يغب عن ذكاء الروائي التتطرق إلى أحداث دخول العراق للكويت وتداعياتها، وتصوير تفاصيل دقيقة من ردة فعل الشارع العربي والشرخ الذي خلفّته هذه الأحداث.

واعتمد سردًا مفصلًا منفصلًا متصلًا في  سياق الأحداث الخاصة بطفولته والصراعات التي أودت إلى التحولات في حياته، بينما يذهب في السياق الثاني إلى الفضاء الوطني والقومي وتناقضاته وإحباطاته.

ربما يكون مستهلكًا في معظم الأعمال الروائية زج الجانب الخاص بالقضية الفلسطينية ولكن القيسي أدرج تفاصيل مهمشة يجهلها جيل بأكمله أو غابت عن الذاكرة فأزال عنها بعض العتوم وأحياها في ذاكرتنا، ليعود بنا لحقبةٍ من مساحةٍ أكثر شمولًا، مما يدل على ثقافته وتوغله في الحدث، حتى يُخيل للقارئ أن هذا العمل من أدب السير الذاتية، وهو الأدب الذي انتهجه العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم، ولا زال غير رائجًا رغم أهميته، ففي القرن السابع عشر تناول جيمس بوزريل حياة صمويل جونسون، وازدهر هذا الأدب في القرن العشرين،  وقد دخل فن السّيرة بنوعيه في العصر الحديث نطاق الأدب، ولم يعد مجرد أخبارٍ محكية، ولا أحداثٍ سياسية  تاريخية، فقد قام على عنصر الحقيقة والواقع، في بناء فني متماسك، وبلغة أدبية ممتعة تجعل السّيرة فنًا أدبيًا لا عملاً تاريخيًا بحتًا، وإن داخلها شيئًا من الخيال وصنيعة من السرد الروائي.

رسم الروائي التفاصيل النفسية التي أودت بالبطل إلى مستشفى الأمراض النفسية، وانعكاس فقد الأم في مرحلة صعبة من حياته، وما تعرض له من ظلم واضطهاد من أقرب الناس، من عمه بعد ترشحه أمامه في انتخابات البرلمان، شخصية العم ثلاثية الأبعاد؛ نموذج لصاحب السلطة والنفوذ،  وكيف حاك مؤامرة على ابن أخيه فارس لإدخاله للأبد في المشفى  النفسي، تناول القيسي التفاصيل النفسية والسيكولوجية  لردة فعل ترتبت من الإحساس بالصدمة النفسية والعنف المتوارث عليه في أغلب الشعوب العربية. 

وهنا يذكرني الكاتب بالمذكرات التي كتبها واسيني الأعرج؛ (ليالي القسوة والألم، ليالي إيزيس كوبيا: ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية) متناولًا حياة الأديبة مي زيادة والليالي التي قضت بها في مستشفى العصفورية بلبنان إثر تعرضها لمؤامرة من ابن عمها الذى أراد الاستيلاء على أملاكها فأودعها في مشفى الأمراض النفسية، إلا أن القيسي تفوق على الأعرج في وصف الحالة التفسية كونه اعتمد على ضمير البطل ( فارس) فأوغل القارئ في أجواء واقعية بحبكةٍ روائية متينة السرد؛ (( ألهبت مشاعري الموسيقى، وأوجعني صوت فيروز، ومسنى شوق عارم لرؤية عمان )).

تميز لغة جمال بقوتها رغم سهولتها، وتوظيفه للمفردات واستخدام المتضادات، وإن تخلل العمل بعض الأخطاء التي أعتبرها فاجعة في حق عمل يحمل في طياته الكثير من التشويق والإثارة والمنلوجات الفلسفية المهمة، كأن يضع علامة التعجب بعد علامة الاستفهام ويِسقط الفواصل في جمل منفصلة مما دل على عشوائيته في ترتيب الجمل في بعض المطارح ؛ رجال إنتوا !؟/ لصٌ حاف!؟/ وحقوق الإنسان!؟/ قبل شهر!؟ فقال/ أناوين!؟/ هل ستوافقون على خروجي!؟/ ليش بعد شهر!؟/

فلماذا تكرر أكثر من عشر مرات هكذا خطأ يا جمال؟!!

يشار إلى أن المؤلف من مواليد 1970، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، واتحاد الكتاب العرب، ونقابة المحامين، وترجمت قصته (ثقة) إلى الإنجليزية ضمن أفضل مئة قصة أردنية لأربعين قاصًا عام 2007، وفاز الفيلم الذي كتبه بعنوان (جمال ناجي.. سفير الأرواح المنسية) بالجائزة الذهبية ضمن مهرجان القاهرة الدولي عام 2018.

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top