إمام ونجم.. عاشقان لم يتوبا عن حب مصر البهية

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم

إمام ونجم.. عاشقان لم يتوبا عن حب مصر البهية

تنوير – خاص

لارا مصطفى صالح  

 

 جمعت بينهما علاقة نادرة، عزيزة وحقيقية، تماما مثل علاقة الشمس بعيني سجين. لم يكن ثمة ما يميز بينهما في الملامح، بيد أنهما اشتركا بقدرة فائقة على الجمع بين المؤتلف والمختلف.  

في 2 يوليو 1918 وفي قرية أبو النمرس في محافظة الجيزة ولد "الشيخ إمام". لم يمض عام واحد على ولادته حتى هرب النور من عينيه ذات رمد،  غير أن شلال ضوء اجتاح قلبه وصوته وعقله ليكون واحدا من أهم نجوم العالم العربي الذين تحسسوا حواري وأزقة الوطن بعصا الموسيقى.  

وعلى بعد 11 عاما من ولادة إمام، ولد "أحمد فؤاد نجم" في قرية كفر أبو نجم في محافظة الشرقية. لتصبح تلك القرية العادية هي مسقط ذلك الرأس الذي قال فيه الشاعر الفرنسي (لويس أراغون): " إن فيه قوة تسقط الأسوار"! 

 مارسا تجربة فنية فريدة وممتدة من الذاتية إلى المحيط الخارجي باشتراطاتها التاريخية والسياسية والروحية فأفرزت أعمالا خالدة حتى هذه اللحظة وستسمر فهناك عشرات الصفحات والقنوات الخاصة التي تعهدت بالحفاظ على هذا الإرث الغنائي السياسي الرافض.

 ساعد إمام ونجم في البقاء؛ الخصوصية في الأداء واللغة والحس المفرط بالظلم والقهر الذي بدأ أول ما بدأ في حياة "الشيخ إمام" بعدما ارتطمت أحلامه باشتراطات المؤسسة الدينية وقسوة وجهل السلطة الأبوية، عندما تم فصله من الجمعية الشرعية، التي كان يتعلم فيها القرآن، بسبب استماعه لإذاعة القرآن الكريم والتي كانت تعتبر بدعة في ذلك الوقت. وما كان من والده حينها إلا أن طرده من القرية باعتبار ما فعله جريمة لا تغتفر. فيما تمثل الظلم في حياة "نجم" بمواقف وخيبات عديدة، وكان ما حدث في العام 1959 -الذي شهد صداما بين السلطة واليسار- أشدها حفرا في  ذاكرته. يقول نجم: "وفي يوم لا يغيب عن ذاكرتي أخذوني مع أربعة آخرين من العمال المتهمين بالتحريض والمشاغبة إلى قسم البوليس وهناك تم ضربنا بقسوة حتى مات أحد العمال. وبعد أن أعادونا إلى المصنع طلبوا إلينا أن نوقع إقرارا يقول إن العامل الذي مات كان مشاغبا وإنه قتل في مشاجرة مع أحد زملائه.. ورفضت أن أوقع، فضربت". اعتقل بعدها نجم 33 شهرا  وظلت آثار الضرب واضحة على جسده حتى نهاية مشوار حياته. وجدير بالذكر أن الأم كانت حاضرة بقوة في تكوينهما النفسي وحالة الفقد التي عاناها كل منهما كانت سببا في رسوخ الصلابة في شخصيتيهما.  

 

شق كل من "إمام ونجم" طريقيهما في عالم الموسيقى والشعر، وكان قد تعلم إمام الموسيقى على يد الشيخ الحريري والعود على يد كامل الحمصاني، لتجمعهما في عام 1962، وبعد سلسلة من الخيبات حارة (حوش آدم) في صدفة عظيمة، ليكونا هذا الثنائي العظيم، وكانت بداياتهما في أغنية "أنا أتوب عن حبك أنا؟"، ثم "عشق الصبايا"، و"ساعة العصاري" . 

 هجمت نكسة حزيران عليهما بشراسة في عام 1967، فخدشت وجه الأمل وكسرت الحلم . حينها تشابهت معظم الأقدار واتخذت الحياة شكلا شديد القسوة، فتآمرا على غضبهما بالموسيقى والشعر الجارح الذي يفهمه كل من أدمت الهزيمة قلبه؛ ليشتد حزنا واغترابا مع كل أغنية. وحين بلغ الفساد ومؤشر الفقر حدا خطيرا في مصر، أشعلا بأغانيهما سواد الأرض وزرقة البحر والسماء في ومضات لها ألوان  خاصة، فكانت أغنية "شيد قصورك" و "هما مين واحنا مين" و"عن موضوع الفول واللحمة" من أهم الأغاني التي يشعر معها السامع بضراوة الحرية المكبوتة. 

بيد أن أغانيهما تحولت في تلك الحقبة إلى حجة عليهما وحنق من قبل النظام السياسي، واعتقلا فترات طويلة بسبب  انحيازهما في الأغاني للمهمشين والمظلومين وانتقادهما للهوة بين الفقراء والأغنياء ومناداتهما بالثورة كما في أغنية "هما مين واحنا مين" والتي يقول مقطع منها (لما الشعب يقوم وينادي.. يا احنا يا هما في الدنيا دي). وقد قال نجم في هذا السياق عن إمام بعد اعتقال الأخير: "أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه.. وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم"؟ 

 لم يثن القهر "إمام ونجم" عن الحب،  فغازلا مصر بأغنية "مصر يمة يا بهية"، التي ضيقا فيها الفوارق بين اليأس والأمل وأفسحا المجال للتأويل، فقابلا فيها الأمس بالغد، والموت بالحياة، والليل بالنهار والمشيب بالشباب.  

وعلى الرغم من القطيعة التي وقعت بين الصديقين المبدعين ذات خلاف، إلا أن روحا واحدة ظلت محاصرة بينهما، والمخلص هنا ليس الندم، ولا من بدأ بالسلام أولا، إنما الوعي الذي أعاد تصحيح مسار العلاقة.   

إمام ونجم؛ لم يكونا ثنائيا خالدا ظل واقفا على قمة هرم واحد فغنى للوطن وصنع ملحمة ضمير أمة صابرة، فحسب، بل كانا ظاهرة من ظواهر تجلي الأحلام في الموسيقى والمعنى المطلق للصداقة في سموها وصنوان للحرية والكرامة.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير شركة إي بكس

Back to Top