بحجم بعض الورد.. سردات

بحجم بعض الورد.. سردات

تنوير – خاص

يحيى صافي

صحوت من النوم على طرقة باب خفيفة، لبست روب الحمام على عجل إذ كنت شبه عارٍ ولم اتعود أن يأتي أي زائر في مثل هذا الوقت من يوم جمعة عادة ما أسميها جمعة الضجر.. فتحت الباب على ابتسامة جاري أبو ربحي إذ فاجأني على غير عاداته البذيئة بباقة ورد منتقاة من فيض حديقته التي يحرص عليها كأنها جنة الله في الأرض، وهي على وجه الدقة ليست كذلك.

حياني بكلمات ودودة لم اتوقعها صراحةً مبتسماً لي وبوداعة جعلتني أعتقد أني ما زلت في حلم عابر سوف ينسى بعد حين، وأنصرف مبتسماً بينما بقيت مبحلقا في باقة الورد يند عن وجهي الوجوم دون حتى أن أشكره... والذي ربما سوف يشكل له ازعاجا في ما بعد. بل والحق يقال لم أظهر له الود بالود. 

وضعت باقة الورد على طاولة المطبخ دون أن أضعها في أزان الورد المهجور منذ زمن في خزانة المطبخ، وأخذت حماما بارداً وجهزت نفسي للخروج، حيث رتبت خطة نهاية الأسبوع لعلها تكون غير عادية.. فكانت.

ذهبت مشيا إلى دكان الحي، كان الجيران جميعهم يتبادلون الورد والإبتسامات، الجميع ينظر لي لما أحاذيهم مندهشين، مبتسمين، ويرمون على بتلات من توالي ورد في سلال خشبية ملونة، حييتهم بإستغراب دون أن ابادلهم الابتسامة، حيث لم أكن أألف هذا الكرنفال من الورد والإبتسامات والضحك في حَيِنا.

هرعت بسرعة للدكان، فوجدت زهدي وأخوته (السمجين عادةً) يفسحون لي الطريق مبتسمين بشيء من البلاهة، وينحنون لي بإحترام بالغ كما لو كانوا رهباناً معبدٍ في التبت.. أو ثلة من فتيات الغيشا (芸 妓) في مسارح كيوتو.

طلبت من زهدي الذي تأهب مبتسماً وماداً يده للمصافحة علبتي سردين على فلفل، وربطة خبز ونصف كيلوا ليمون.. قال لي مبتسماً وبكل ما تحمل دكانة أولاد المرحوم أبو زهدي من زناخة تعودتها منذ عهد المرحوم:

- من عيوني يا جاري، أنت بس تأمر.. وضع لي وسط الأغراض علبة شوكلاته فاخرة يوازي ثمنها عشرة أضعاف ثمن ما أشتريت من سردين وخلافه. 

ما صدقت من الله ويحط لي الأغراض في كيس لأنقده ثمنها وأهرب من الدكان مذهولاً وسط ابتسامات أبناء المرحوم أبو زهدي وانحناءات الوداع، ظناً مني أن ثمة أمر خطير يحدث لي كأن مس من الجنون قد حل بي، لأنه من المستحيل أن يحل بأهل حارتي كل هذا الود المفاجىء.

أشرت لباص كوستر ( حافلة نقل عام متوسطة سائقها مبتذل بحكم المهنة وكذلك مبتذل محصل الأجرة/ الكنترول )كنت قاصدا وسط البلد، توقف الباص وفتح لي الكنترول متمتماً بمودة:

- تفضل سيدي النبيل. 

جلست خلف السائق وكان يكمل حديث لزميله الكنترول عن أهمية مراعاة مشاعر ونفسيات الركاب، وكان يركز على أمثلة نظرية في سيكولوجية الجماهير، شارحاً بإختصار بارع أمثلة متضمنة مقولات لألتوسير وجرامشي، وكان يذكر إسم المرجع، ورقم الصفحة لكل مقولة.. وكان كنترول الباص يلخص ما يقوله السائق في دفتر ملاحظات صغير، ويبتسمان بمودة للركاب، وكان كلما نزل راكب يقوم الكنترول بمنتهى اللطف بإهداءه/ إهدائها وردة جورية حمراء، وبطاقة معايدة للوحات فنية تعود لفنانين طليان من فناني العصور الوسطى. 

لم يرق لي هذا التحول صراحة، حتى أني لم أكد أصدق ما يحدث أمامي، لدرجة أنني وصلت وسط البلد دون أن أنتبه ليد كنترول الباص وهو يمد لي بوردة جورية مثبت في إخرها بطاقة مطبوع عليها بإتقان لوحة فنية لمايكل أنجلو:

- الحمد لله على سلامة وصولك سيدي، تفضل هذه الهدية البسيطة من شركتنا الناقلة للباص السريع.. كان الكنترول يتكلم الفصحى الدارجة بكل تهذيب... هل قال الباص السريع.. هل تحقق حلم الوطن.. الله وحده يعلم ما الذي يحدث.! 

 اعتذرت بغرابة ربما أثارت حنق الكنترول عن قبول الهدية، رغم ذلك ابتسم لي بود حبيبة، في حين قام بإعطائها لرجل مسن يبدو من ملامحه أنه قادم من الأغوار الجنوبية كان يعزف الساكسفون قرب (درج الكلحة). 

راعني المشهد أسفل درج الكلحة، جلست إلى جانب الرجل، وكان كلما ينهي مقطوعة موسيقية (قال لي بعد ذلك إن جميع المقطوعات التي عزفها من تأليفه ما عدا الأخيرة قال أنه معزوفة لمؤلف الجاز الأمريكي كيني جي) كان يبتسم لي وللمارة الذين كانوا يحيونه مبتسمين، ويرمون ما تيسر من خمسات وعشرات من الدنانير في قبعة عازف الساكس الموضوعة بعناية إلى جانب كلبته أسفل الدرج. 

حييته واضعاً ربع دينار ماسك في قبعته، ابتسم لي ممتناً، وكذلك فعلت كلبته البيضاء، ومشيت نحو مطعم هاشم لأطفح صحن فولي المعتاد وقد كانت هنا الصدمة الحقيقية:

ابتسامة أبو باسل أصغر أخوة هاشم، ونعومة صوته في المناداة على العمال:

- صحن فوول يا شباب للطاولة ٩ من بعد فضلكم. 

إصطحبني (عادل الرِزل/ هكذا أطلق عليه هاشم الكرد مؤسس المطعم اللقب ربما لرزالته) وعادل من أقدم عمال مطعم هاشم، وهو الوافد من المحروسة مصر منذ نعومة أظافره للمحروسة عمان.. إصطحبني الرزل إلى طاولة قال أنها مخصصة لي، وكان في منتهى التهذيب عدا عن أنه كان يلبس أسوة بزملائه في المطعم بدلة سوداء ببيونة حمراء على قميص أبيض، وقد بدأ لي عادل الرزل مثل مغني أوبيرا طلياني من سيسيلية. 

.... يتبع في سردة قادمة.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top