فاكهة الجنة | هاني حوراني

فاكهة الجنة

هاني حوراني

لا تحتاج أعمالي عن الرمان الى تفسير أو تبرير. فما من فاكهة حظيت بهذا القدر من التبجيل والتقدير مثل الرمان. وما من فاكهة حملت ذلك القدر من الرمزية، فالرمان أُعتبر رمزاً للخصوبة والازدهار والطموح في الحضارات المصرية واليونانية والعبرية القديمة والفارسية والهندية والصينية وغيرها.

والأهم من ذلك أن الرمان لا زال يتمتع بهذه الرمزية والمعاني الجميلة في حياة العديد من الشعوب و يندرج في صلب تقاليدها وطقوسها حتى اليوم. فطقوس الزواج وإقتناء البيوت الجديدة تقترن بممارسات خاصة بالرمان عند اليونايين المعاصرين، وبالمثل فإن الأرمن والأذربيجانيين والإيرانيين وغيرهم من شعوب الشرق لا يزالون يربطون بين الرمان وعود الخصب والحب والبركة.

وهي ثمرة تدخل في طعامهم وتقاليدهم اليومية أكثر من أي ثمرة أو فاكهة أخرى. أما بالنسبة لنا، نحن العرب، ولا سيما المسلمين منا، فقد ذكر الرمان ثلاث مرات في القرآن الكريم، ووصف باعتباره أحد ثمار الجنة. *** على أني لم أرسم الرمان في لوحاتي لأني كنت أعرف عن قيمة الرمان لدى أصحاب الأديان والحضارات القديمة، أو لأنها تحظى برمزية تفوق غيرها من الفواكه، ويجب أن أعترف أنني بدأت أقرأ وأتعلم عن مكانة هذه الفاكهة لدى شعوب الشرق الأوسط والشعوب الأخرى، ماضياً وحاضراً، فقط بعد أن باتت موضوعاً أثيراً لأعمالي ولوحاتي الأخيرة.

وأعترف هنا أن قراءاتي هذه زادت من سعادتي وتعلقي بمواصلة رسم هذه الثمرة المقدسة، وكأنها جاءت لتعزز وتبرهن على صحة اختياري لها دون غيرها من الفواكه أو الموضوعات.

لقد قادني الى رسم هذه الثمرة النبيلة عامل رئيسي هو جمالها، بل تفردها بسمات جمالية استثنائية تجعل منها ملكة الفواكه. وهي ثمرة جميلة في مختلف فصولها وأوقات نموها ... منذ تفتحها كزهرة تتموضع ما بين أوراق خضراء طويلة ورشيقة الى مرحلة نموها الأولى كثمرة حيث تحتفظ ببعض أوراقها الحمراء، وصولاً الى اكتمال نموها بظهور تاجها المميز وتعدد ألوانها ما بين الحمرة النبيذية الى الصفرة والخضرة وما بينهما من درجات لونية.

ومع أن الرمان كان دائم الحضور في حياتي، مثل بقية أبناء هذه المنطقة، إلا أن الانبهار بجمالية الرمان سواء كثمرة منفردة، أو حين تكون جزءاً من جموع الرمان على عربات الباعة، في صفوف مرصوصة، و تشكل ما يشبه الهرم، أقول إن انبهاري بجمالية الرمان يعود الفضل فيه الى الباعة على طريق جرش/عمان، الذين يرصعون عرباتهم بهذه الثمرة، كما لو كانت حُلى طبيعية، وهكذا بدأت أصور هذه الثمرة البهية موسماً بعد موسم وسنة بعد أخرى، تارة وهي زهور تتشكل وثمار صغيرة على أغصانها، وتارة أخرى وهي تصطف على أرفف عربات الخضار في طريق عمان – جرش، وتارة ثالثة حين تستقر، بين مفردات أخرى كملكة متوجة على موائد "الطبيعة الصامتة".

بين جمالية ثمرة الرمان الاستثنائية وبين رمزيتها الثرية بالمقاصد والمعاني، تدور أعمالي الأخيرة، كما لو أنها تحاول التقاط بعض جوانب عظمة هذه الثمرة. لقد بدأت أعمل على لوحاتي المبكرة عن الرمان في زمن "الربيع العربي"، حيث كانت مشاهد الحشود اللانهائية تطفو على شاشات التلفاز والصفحات الأولى من الصحف اليومية.... حينها ظهرت لوحاتي الأولى عن "حشود" الرمان وصفوفها المرصوصة واللانهائية.

فهل هي مصادفة أم أنها إسقاطات اللاوعي. في تلك الأعمال، لاتشبه ثمرة الرمان ثمرة أخرى مجاورة لها، كما هو حال الناس الذين نزلوا للشوارع والساحات العامة.

فكل واحد منهم كان يمثل كياناً قائماً بذاته، له تاريخ وحياة وقسمات مميزة، لكنه أيضاً جزءاً من تلك الجموع الثائرة. وهل هي أيضاً مصادفة أن أعود للرمان، بعد زمن "الربيع العربي" لأصّورهُ في حالات فردية، أو على شكل مجموعة قليلة من "الحبات"، التي أصاب بعضها الجفاف، أو باتت جزءاً من مشهد صامت؟! إنها مجرد أسئلة .


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top