الكباريتي.. الغائب الحاضر

الكباريتي.. الغائب الحاضر

 

 لمع نجمه منذ كان طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت أوائل السبعينات في مرحلة التوتر بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية؛ فأدى به نشاطه وصوته السياسي المرتفع ولاءً لنظام بلاده إلى أن اعتقلته الجبهة الشعبية في بيروت. عاد إلى عمان بعد إطلاق سراحه، كان جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله في استقباله؛ فصار هذا اللقاء بوابة علاقة مميزة مع الراحل الكبير.

واصل عبد الكريم الكباريتي نشاطه السياسي والاجتماعي في عمان مسقط رأسه العام 1949 وفي العقبة على حد سواء، ونسج العلاقات الواسعة الوثيقة مع الطبقة السياسية، وارتبط حينها بعلاقات خاصة مع مدير المخابرات الأسبق، الفريق سميح البطيخي، قبل أن يتولى الأخير إدارة جهاز المخابرات العامة؛ علاقة صداقة ومصاهرة ممتدة إلى اليوم؛ خاضا خلال سنواتها معاً معارك سياسية من العيار الثقيل.

نجح في الانتخابات البرلمانية العام 1989 نائبا عن محافظة العقبة؛ فاشتعل نشاطه أكثر؛ فكان (دينمو) مجلس النواب من دون منازع، وقطب الموالاة وموحد صفوفها.

علاقته مع القصر مباشرة؛ في زمن الحكومات فيه مرعوبة من مجلس النواب ولَم تتقن بعد فن استقطاب النواب لتمرير سياساتها، فكان الشاب، ابن الرابعة والأربعين، كاسحة ألغام حقيقية دأبت على تمهيد الطريق للحكومة بجمع الموالاة على كلمة سواء ومحاورة المعارضة بهدوء ودهاء

علاقة ثقة استثنائية ومحبة ربطته بسمو الأمير الراحل زيد بن شاكر، أقرب الرجال لعقل وقلب الملك الباني، بالتزامن مع حقيقة أن الكباريتي كان (مفتاح الماستر) لمجلس النواب لدى دائرة المخابرات

دماثة خلقه وشجاعته وبلاغته هي سر شخصيته التي متّنت علاقاته العميقة بالقصر ودائرة المخابرات، وهي ذات الأخلاق التي جعلته محط اهتمام زملائه البرلمانيين ومفتاح الخدمات الجليلة التي يحتاجونها لتحسين أحوال مناطقهم وقواعدهم الانتخابية.

لَم يكن يرد له طلب، حتى أن نواب المعارضة كانوا يلجأوون له طلباً لخدمة أو مساعدة، ولَم يكن يخذلهم؛ كان أكثر من نائب وأهم من اَي وزير.  

من سعادة النائب إلى دولة رئيس الوزراء

في العام 1993 عاد أبو عون إلى مجلس النواب الثاني عشر أكثر قوة ونفوذاً؛ فشكّل مع علي أبو الراغب وسعد هايل سرور وعبد الهادي المجالي (مجلس أركان حرب الموالاة).. مجلس متنافر مع عبد الرؤوف الروابدة الذي كان يمارس الموالاة على طريقته الخاصة، وظلوا على علاقة شبه دافئة مع طاهر المصري حيث حملوه، لمرة واحدة إلى سدة رئاسة مجلس النواب، واستبدلوه بسعد هايل سرور في الدورات اللاحقة.

لم يكن تكليف الكباريتي برئاسة الحكومة مفاجأة، وشكّل حكومة الأغلبية البرلمانية التي ضمت أكثر من ثلثي النواب من جميع الكتل النيابية باستثناء الإسلاميين.

يسجل له نجاحه في فرض ولايته العامة؛ ليس فقط من خلال الدعم المطلق من جلالة الملك الحسين، الذي قال عنه على الملأ: "إنه يذكرني بوصفي وهزاع " بل أيضا من خلال تحالف محكم بينه وبين سميح البطيخي مدير المخابرات، وعون الخصاونة رئيس الديوان الملكي. تلك الحالة اللافتة في التناغم بين هذه المرجعيات الرئيسة، وهي من المرات القليلة ولربما الأولى والأخيرة في التاريخ السياسي الأردني الحديث التي يكون فيها رئيس الحكومة ومدير المخابرات ورئيس الديوان على وفاق وانسجام كامل. 

صراحة تكسر قالب دبلوماسية السياسي

كان أبو عون النائب في أول دورة له، واضحا ولافتا وصريحا بإعلانه الاختلاف مع نبض الشارع الأردني الذي يمور بمظاهرات التأييد المطلق للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ومخالفا بجرأة أدبية موقف غالبية النخبة المسحورة آنذاك بوهج احتلال دولة عربية، فظل الكباريتي ناقداً شرسا لصدام بسبب اجتياح دولة الكويت العام 1990، وما فتئ يكيل الانتقادات اللاذعة لسياسات المرحوم صدام حسين التي جلبت الأمريكان الى المنطقة، وأطلقت شرارة الاٍرهاب الذي حول شكل المنطقة؛ حتى أن صدام انتقده بالاسم في أحد خطاباته العلنية.

غضب صدام انتقل إلى كوادر حزب البعث الأردني - جناح العراق، ما جعل من  الحزب خصماً لدوداً للكباريتي رئيس الوزراء، ولم ينم ثأرهم السياسي فأسرّوها في أنفسهم، وأبدوها للكباريتي بإشعال وتأجيج (انتفاضة الخبز) إثر قراره رفع الدعم الحكومي عن الخبز؛ فكانت خير مناسبة لهم لرد الصاع عليه، وتأجيج الدعوات الشعبية لإسقاط حكومته من خلال تصدرهم للاحتجاجات التي انطلقت العام 1996 من محافظة الكرك معقل البعثيين الأردنيين.

حكومة الكباريتي .. عمر قصير وحضور تاريخي طويل

استمرت حكومة الكباريتي سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، وحظيت بشعبية رغم مقولة أبو عون الشهيرة التي ذهبت مثلا للتندر، ومدخلا لإيحاءات متعددة: "الدفع قبل الرفع " وتجاوزت حكومته عقدة “ الرفع " عندما التزمت "بالدفع". كان على تواصل ميداني مع الناس وفي إحدى زياراته إلى نفق المخيم في الزرقاء حمل أهالي الزرقاء سيارته!

هذه الواقعة (حمل السيارة) يقول مراقبون إنها التي "جابت لأبو عون التايهة" أي الرحيل المبكر.

ولئن كانت مفردة (التايهة) تعبيرا أردنيا في الدارجة العامية الأردنية تعني (المصيبة) إلا أن الكباريتي أثبت أن الرحيل المبكر ليس نهاية الكون؛ فقد خرج من الحكومة بكتاب استقالة صاخب! كتاب استقالة بلغت فيه الجرأة والصراحة واحترام الذات والمنصب، أبعد مدى، وإلى الحد الذي اضطر فيه رئيس الديوان الملكي إلى إعادته لدولته مرتين (لتشذيبه)، إلا أنه  اصر على المضمون ، فجاء الرد على رسالة الاستقالة من الراحل الحسين قاسياً؛ اتهمه في الرد بـ "حب الظهور الإعلامي".

عود للبدايات

تراجع حضور الكباريتي سياسياً في (عزلة اختيارية) زهد فيها بالأضواء، وقبلَ أن يترأس مجلس إدارة البنك الأردني الكويتي، في وقت يعاني فيه المشهد السياسي الأردني من حاجة ملحة لرجالات الدولة الحقيقيين، لكنه أدار ظهره، ولم يستجب لمحاولات الاستعادة الجادة، وهذا يسجل عليه وليس له؛ وما زال اسمه يتردد في كل مناسبة يجري الحديث فيها عن رئيس وزراء المرحلة.

 قبل رئاسة مجلس إدارة الأردني الكويتي، نائيا بنفسه عن رياح الخماسين السياسية التي لا تجلب غير الإنفلونزا وضيق التنفس، فصعد معه البنك صعوداً صاروخياً وأصبح حقاً (أكثر من بنك)!

 السياسة تسترد الكباريتي من عالم المال

أعاد مرض الملك الحسين رجلا وفيا مثل الكباريتي إلى الواجهة السياسية من جديد؛ فقد ذهب الكباريتي ليزور الراحل الكبير في مستشفى (مايو كلينيك) في الولايات المتحدة، فاستقبله جلالته استقبالاً حاراً حتى انه أجلسه الى جانبه لاستقبال الزوار، بمن فيهم وفد القيادات العسكرية برئاسة عبد الحافظ الكعابنة، رئيس هيئة الأركان آنذاك، وما كان جلالة الملك الحسين ممن يلقون الكلام على عواهنه، أو ممن تجري الأمور في حضرتهم على أعنّتها؛ بل كان إجلاس الكباريتي إلى جانبه لاستقبال زائريه شيفرة ورسائل من الحسين إلى من يهمه الأمر.

بعيد رحيل الحسين بن طلال، تسلم الكباريتي رئاسة الديوان الملكي ولمدة عام فقط حسبما طلب من جلالة الملك عبدالله الثاني؛ إذ ذاك قام بثورة بيضاء في الديوان بدعم وبتوجيه من الملك؛ فألغى حينها ما كان يعرف بـ" نُمَر الديوان" التي تعفي سيارات مالكيها من دفع الرسوم الجمركية، وكانت آلاف من السيارات لـ (علية القوم) تمارس هذا الامتياز، ووصل تدخل أبو عون أيضا إلى تحديد امتيازات الأمراء وحصرها بالنظام الخاص!

لكن علاقاته خلال رئاسة الديوان كانت شحماً على نار مع جهات متعددة وصلت إلى صراع على البروتوكول في افتتاح الدورة  البرلمانية الأولى في عهد جلالة الملك عبد الله؛ فقد طلب الكباريتي أن يكون للملك مكتب في مجلس الأمة، باعتبار الملك دستورياً شريكاً في السلطة التشريعية، إلا أن عبد الرؤوف الروابدة رئيس الوزراء رفض الاقتراح بشدة، وفي النهاية اعتبرت قاعة الاستقبال مكتباً للملك.  

غادر الرجل القوي الديوان الملكي بعد عام كما طلب، وعاد إلى قلعته الحصينة في مجلس إدارة البنك الأردني الكويتي؛ ومن موقعة في البنك ظل يخرج بـ (نهفات) سياسية وإعلامية لم يفعلها أحد من قبل؛ فقد اشتهر البنك بإعلانين في الصحف على فترات متباعدة: المرة الأولى  يظهر فيها "بلدوزر" يرفع العلم الأردني، وذلك تعليقا على وصف جلالة الملك  للروابدة بـ"بالبلدوزر" عندما كان رئيساً للوزراء، وفي مرة أخرى تم نشر إعلان آخر للبنك تبدو فيه روزنامة مفتوحة على صفحة يظهر فيها تاريخ ميلاد الملك وتحتها عبارة: أجندة خاصة!

أي أن أجندته هي أجندة الملك.

ورافق الصخب الكباريتي عندما أصبح عضواً في مجلس الأعيان ورئيساً للجنة المالية فيه؛ فكتب تقرير اللجنة تعليقاً على قانون الموازنة، وأصر على ورود تعليقات لم تعجب رئيس الديوان، لكنه أصر بقوة على بقائها ونجح في تمرير جميع توصيات اللجنة المالية.

بعد خروج أبو عون من مجلس الأعيان ووقوع تغييرات في إدارة المخابرات، وتحويل صديقه وصهره الفريق البطيخي إلى القضاء، تعرض إلى بعض المضايقات الخشنة، لكن علاقته مع الملك لم تتغير ولَم يمارس سياسة (الحرد) على غرار ما يفعله بعض الرؤساء الذين يقاطعون الاحتفال بعيد الاستقلال!

من قلعته في البنك الأردني الكويتي يطل الكباريتي سنوياً في اجتماع الهيئة العامة للبنك بإشارات سياسية تشغل الوسط السياسي والإعلامي.

لا يختلف اثنان من أصدقاء أو خصوم الكباريتي على حد سواء على حقيقة أنه: نظيف اليد والقلب والفرج واللسان، خصومه يقولون إنه شديد الاشتعال وعنيد ومستمع جيد في الوقت نفسه و(صاحب صاحبه) ويعرف الجميع أنه على تواصل مستمر مع أصدقائه كافة، ومع كل وزراء حكومته ولا ينسى أن يخص كلا منهم بطبق (الشوكولاته) في كل عيد.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top