رَفّة تعب لجفن القلب | جمال القيسي

رَفّة تعب لجفن القلب

جمال القيسي

(ليش تطحني بالليل يا خالة.. قِلّة مطر قِلّة سيل يا خالة)!

أهزوجة شتائية كانت أمي ترددها بصوت متلجلج حزين. تستجلب ذكريات طحن الهواء حين يعز القمح في رسالة واضحة مفادها الحاجة الماسة للغيث كي يسقي "زريعنا الغربي".. بنبرة الحزن، الأقرب إلى حبل الوريد من صلاة، يتهدج صوتها وهي تروي الماضي القاسي، فتشلع نياط القلب. والقلب، وهي خير من تدري، أوهن من القدرة على احتمال متابعة ترويدة البراءة والألم، وهي تلحف: (ليش تطحني بالليل يا عجيّز.. قِلّة مطر قِلّة سيل يا عجيّز" فلا تهدأ نفسي إلا بعد انحلال العقدة في الرواية؛ حين تقول (راحت أم الغيث تجيب المطر.. ما اجت إلا الزرع طول الشجر)!

  في العام 2016 غاب صوت حمدة في الأبدية. وهي أمي التي جرعتني الألم، وربتني على الأمل. ألم لأني طالما أحببت لو أنها امرأة بلا حس رهيف حد أن النسمة تجرح روحها، وأمل حد أن حضنها ما فتئ، حتى آخر يوم في حياتها، ينتشلني من أغوار الإحباط واليأس من الكون ليحلق بي في سماوات التفاؤل، وإبداع أقمار البهجة. لكنها رحلت ومع ساعات صباح الثاني عشر من أيار/مايو، مضت، وأخذت معها زجاجة عطري، وربطة عنقي، وبريق عيوني، وأخذت طعم الحياة، ومذاق المطر، وبهجة تغاريد البلابل، وندى العشب، ولون الشجر (يا طير وآخد معك لون الشجر)!

أخذت، فيما أخذت، عبق ياسمين فواح في حديقة حنونة، فيها لآلئ عناقيد العنب، ودهشة استواء التين، وألفة الزيتون. شجيرات زرعتها ووالدي، في بهاء فتوتها وعنفوان حضورها، في حديقة صغيرة أكبر من جنات عدن، ثم فجأة أخذتها معها في ذاك الصيف الموجع مثل خنجر في الكبد، وفي رحيلها يقال الرثاء. "فإن سألتنيه رثاءً خذه من كبدي.. لا يؤخذ الشيء إلا من مصادره"!

ما أوجع الحديث عن أمي وما أجمله. ما أحلى الانسياب الجواني العميق في ذكريات خصالك الطيبة، وروحك التي ربتني باكرا على أن الحياة فيها من الحق والخير والجمال ما يستحق أن نحياها بكل فرح وألق وتفاؤل.   

سأظل أهمس كلما همى للمطر: اسقِ مثواها الأبدي الأخير فقد كانت الرؤوفة بالمحتاجين، جابرة  قلوب اليتامى والمساكين وأبناء السبيل. ارو مثوى المرأة التي دربت روحي على أن الكلمة الطيبة، وغوث الملهوف، أشجار محبة تزهر حتى في الأرض اليباب، فتكبر، وتعلو، وتصير باسقة، وارفة الظلال، تنبت من كل زوج بهيج، في غابات ساحرة من التناغم الكوني الفاتن.

لروحك الندية الكبيرة أشواق المعنّى الكليم، ولوعة الطفل اليتيم، وتحية الوفاء لـ (وصاتك) أن الشقيقات أجمل منحة في الحياة، وأن النبلاء من الرجال فقط هم من يظفرون من الدنيا بجمال وجلال قيمة "الرفق بالقوارير". 

لك الطمأنينة في الأعالي، ولي ذكرياتي (الشتوية) الغزيرة العظيمة معك ومنها حرصك على أن يظل مهد صغيرك آخر العنقود دافئا منيعا في وجه برد الكوانين. كنت الحريصة على دلال طفلك حتى وهو يوغل في الأربعين!

عودي فالبرد يوجع روحي.. تعالي بالمطر!

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top