زهرة عمر.. مبدعة حملت سوسروقة من خلف الضباب إلى وهج عمَان

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الأديبة الراحلة زهرة عمر- صورة خاصة من نفرتيتي المعاني ابنة الراحلة

زهرة عمر.. مبدعة حملت سوسروقة من خلف الضباب إلى وهج عمَان

تنوير – خاص

لارا مصطفى صالح

 

بروح تتوهج بعشق الأماكن وذاكرة صاخبة، حملت (سوسروقة) و(عمَان) كما حملت شعبيهما بكل ما فيهما من عوالم وأحاسيس.  

زهرة عمر؛ التي تحل ذكرى رحيلها الحادية والعشرين نهاية الشهر الحالي، لم تعرف وهي التي سميت تيمنا بفاطمة الزهراء أي حظ عجائبي ذلك الذي كان ينتظرها عندما أبصرت عيناها شمس عمان في ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ ﻣﻦ ﺷﻬﺮ ﻛﺎﻧﻮﻥ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻌﺎﻡ 1933ﻡ.

تحدَرت ﻣﻦ ﻋﺎﺋﻠﺔ ﺷﺮﻛﺴﻴﺔ ﻣﻌﺮﻭﻓﺔ لم تلغ هجرتها إلى الأردن انتماءها الأصيل إلى الأجداد وتاريخهم. ترعرعت زهرة في أكناف عائلتها وخبأت قلق الوجود الذي استوطنها طفلة بين أغصان شجرة التين الواقفة بمهابة في حديقة البيت الحجري الكبير الذي بناه جدها الشركسي.

في تلك الحقبة من عمر الأردن، لم يكن التعليم متاحا لكثير من بنات جيلها. والحظ الذي حالف زهرة لتتمكن من الالتحاق بالمدرسة وإنهاء المرحلة الابتدائية بكل ما حملته من شقاوة الطفولة وأحلام العمر القادم، كان هو ذاته الذي خانها عندما حالت ظروف اضطرت على إثرها التوقف عن التعليم.

ولأن أسئلة الوجود في أعماقها كبيرة وكثيرة، أدركت زهرة أن الشهادات الدراسية لن تكون سببا في هزيمتها وأنها ستنتزع يوما لذة الإجابات من الأيام القادمة. وظل الحنين القادم من خلف الضباب حيث سوسروقة يدق جدران قلبها، ليفجر عوالم رحبة من الإبداع، فكانت بدايتها الأولى والجادة في الكتابة بنص مسرحي ولم تكن حينها قد تجاوزت السابعة عشر من عمرها.

ﻋﻤﻠﺖ ﺯﻫﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺜﻘﻴﻒ ﻧﻔﺴﻬﺎ، فكانت تقرأ بشكل متواصل ولافت. ﺩﺧﻠﺖ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ في حقبة كانت تعج بالتحولات والتفاعلات، ﻭﺗﻌﺮﻓﺖ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ. وبعد انسجام كبير نما بينها وبين الشاب (زهير عمر المعاني) وهو المولود لأم وجدة شركسيتان، تزوجا ورزقا بأطفال أربعة.

تجلى إحساس زهرة بالألم والوحدة بعد رحيل زهير ولم يكن قد مضى على زواجها منه ﻋﺸﺮ ﺳﻨﻮﺍﺕ. ﻓﻠﻢ ﺗﺠﺪ ﺃﻣﺎﻣﻬﺎ مآلا سوى العودة إلى بيت العائلة الكبير حيث كانت لا تزال أختها حكمت تسكن فيه. فتحولت قسوة الغياب إلى هدنة تناغمت مع ذكريات الطفولة  وحكايات ﺳﻮﺳﺮﻭﻗﺔ ﺍﻟﺒﻌﻴﺪﺓ ﺧﻠﻒ ﺿﺒﺎﺏ ﺍﻟﻘﻮﻗﺎﺯ وأخرى من ﺫﺍﻛﺮﺓ ﺍﻟﺸﺮﻛﺲ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ، وكانت روايتها الأولى (ﺍﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﺳﻮﺳﺮﻭﻗﺔ) ﺍﻟﺘﻲ ﺻﺪﺭﺕ ﻋﻦ ﺩﺍﺭ ﺃﺯﻣﻨﺔ ﻋﺎﻡ 1993  نتاج تلك الهدنة.

في الوقت الذي لم تحظ فيه بالسعادة التي كانت ترجوها، واختلطت أحلامها بالمرارة؛  كان إصرار زهرة على الحياة قرارا لا خيارا.  وتلك كانت نقطة التقاء هامة في حياتها. فتعلمت ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ فيما بعد ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﻓﻲ ﻋﻤﺎﻥ. وتلقت شهادة ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺍﻟﺴﻜﺮﺗﺎﺭﻳﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺟﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﺸﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺎﺕ .

ولعل ما تعلمته كان بداية مشوارها العملي في عدة جهات لم توفق فيها بسبب نشاطها السياسي. إلى أن ﺍﻧﺘﻘﻠﺖ ﻟﻠﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻭﻛﺎﻟﺔ ﺍﻷﻧﺒﺎﺀ ﺍﻟﺴﻮﻓﻴﺘﻴﺔ ( ﻧﻮﻓﻮﺳﺘﻲ )، حيث وفرت لها الوكالة مجالات واسعة ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺒﺮﺓ. فأصبحت ﻋﻀﻮًﺍ ﻓﻲ ﺭﺍﺑﻄﺔ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺍﻷﺭﺩﻧﻴﻴﻦ، وﺍﻻﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﻨﺴﺎﺋﻲ ﻭﺍﺗﺤﺎﺩ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺍﻷﺭﺩﻧﻴﺔ، وﺍﻟﺠﻤﻌﻴﺔ ﺍﻟﺨﻴﺮﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻛﺴﻴﺔ، كما كانت عضوا في ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍطي.

بعد بلوغها ﺍﻟﺨﻤﺴﻴﻦ، قررت زهرة التفرغ للكتابة الإبداعية. في ذلك الوقت الذي تخلت فيه عن العمل والعالم المزدحم، كان مرض السرطان يتسلل بصمت إلى جسدها الذي أنهكته الحياة.  بيد أنه لم يتمكن من التسلل إلى تجليات خطاب الشتات الطافح بين تقاطعات البنى السردية لروايتها الثانية (سوسروقة خلف الضباب) والتي أصدرتها دار أزمنة بعد وفاتها بعامين. لم تكن روايتها مجرد رواية عادية، إنما صرخة روح نادرة، اطلقتها زهرة لتعطي تحديدا دقيقا لمعنى الوطن. ولم تكن هي  وجها إبداعيا من وجوه الأدب في الأردن فحسب، بل مرآة حقيقية عكست بشفافية بالغة حرارة تجربة الشتات الشركسي وخروجهم من بلاد القوقاز، وتأريخا لتجربة الوجود في بلد المآلات (الأردن).

رحلت زهرة عمر أبشاتسة في ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ الأخيرة ﻣﻦ ﻋﺎﻡ 1999،  لكن روحها ظلت حاضرة في رواياتها مثل شجرة  تين باسقة في حكاية أسطورية تشرح النفوس وتثير مكنونات القلوب.

 

من أعمالها الأدبية:

- "الخروج من سوسروقة"، رواية، دار أزمنة، عمّان، 1993.

- "سوسروقة خلف الضباب"، رواية، دار أزمنة، عمّان، 2001. 

وصدرت طبعتها الثانية عن وزارة الثقافة عام 2010.

تركت ثلاث مخطوطات هي: "حدث ذات يوم" و"الزمن والقنفذة" -قصتان طويلتان، و"الانتخابات -مجموعة قصصية. 

ولها من القصائد (ﺣﻜﺎﻳﺎ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﺇﻟﻰ ﺳﻮﺳﺮﻭﻗﺔ ﻣﻊ ﺣﺒﻲ، ﻭﺃﺑﻄﺎﻝﺍﻟﻘﻮﻗﺎﺯ).

 

* خاص بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top