بديعة النعيمي.. "عندما تزهر البنادق"

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

بديعة النعيمي.. "عندما تزهر البنادق"

تنوير – خاص

سليم النجار

 

"من أنا ؟" من هنا تبدأ الحكاية في نصّ بديعة النعيمي ؛ "عندما تزهر البنادق" .

سؤال الأنا في السّيرة الذّاتية يظل على الدّوام المرتكز والبؤرة القاعدّية الّتي ينشأ ابتداء منها الفعل السّردي الموجه. وحول هذه البؤرة المركزيّة تأخذ خيوط السّرد في التشّكل والانتظام من أجل الدّفع بولادة الحكاية المجبية على هذا السؤال الإشكالي المؤرق.  الروائية بديعة أجابت على هذا السؤال بافتتاحية روايتها بحكاية؛ ( يمه يا زينب هاتي ما تبقى من شوال القمح والحقيني به عند الطاحونة فبعد قليل يصل اأوك وأخوك من الحقل؛ قالت أم سالم التي تخلفت عن الذهاب فجر هذا اليوم إلى المخبز لخبز صنية العجين بسبب الزكام الذي أصابها يوم أمس جراء عملها في الحقل وسط برودة شهر شباط  ٠٠ يمة خليني ادرس شوية) ص١٣ ٠

هذا السؤال ليس جديدا بحد ذاته؛ فمنذ مقدمة "حياتي" للكاتب أحمد أمين وهي أول بيان في السّيرة الذاتيّة العربيّة الحديثة،  كان هو المعيار الخلافيّ المجنّس بامتياز لنص السّيرة الذاتيّة داخل منظومة أدب الذّات -والّتي تنظم فيها الرواية طبقا لأعوان السرد الثلاثة: (المؤلف، الرّاوي، والشخصية ). وهو نفسه ما يجعل السّيرة الذاتيّة إلى اليوم المشروع المختص بتعريف الأنا وإنتاجه روائيّاً.  تقول الكاتبة في الرواية: ( استيقظت زينب باكرا جدا فقد سمح لها جدّها بأن ترافق عمّها أيوب هذا الصباح إلى القدس. دعت زينب طيلة الطريق إلى القدس بأن لا يتكرر ذلك الموقف مع الشقراء ) ص٥٠.

هناك سؤال آخر في الرواية ألا وهو سؤال تفكيك الأنا الأنثوية، والذي جعلت منه الروائية سؤالا إشكاليا أيضا لكن متعدّد الأبعاد، تقاطع فيه التاريخ الفردي لزينب - راوية "مذبحة دير ياسين"-  في رواية "عندما تزهر البنادق" مع التاريخ الجمعيّ؛ وهو استنطاق إشكاليّ  كما صورته الكاتبة : ( كيف أنسى من حاك بنظراته خيوط الحبّ حول قلبي؛ كيف أمتلك تلك القدرة وأنا تلك التي عجز الكثيرون عن امتلاك قلبي. كيف خانني قلبي عندما سقط في مملكة قلبه) ص٨١.

أما المستوى الأخير للسؤال الأنثوي؛ يتمثل في ضرورة البحث عن المكان الذي وقعت فيه علاقة العشق: (هل أحببته فعلاً ؟ أم تراني أحببت ذلك الميناء وتلك المراكب وتلك المدينة الواسعة التي تتزين بكل مساحيق التجميل لتفتن كلّ من ينظر إليها٠) ص٨١.

ما ميز رواية "عندما تزهر البنادق" أساليب الكتابة الحواريّة والتّصويريّة  التي تخترق أحياناً الزمن لتزعم أنّها ليست من قبيل الإيهام بالمرجع أو الإقرار به، بل هي النّفاذ ذاته إلى أصل المرجع،  والرؤية الحسية التي تختزل صلب الذاكرة من مرجعها الضبابي. فليس من باب المصادفة استهلت الروائية فصلها الأول : ( قال لي جدي : لا تثقي بالذاكرة كثيرا فقد تخون صاحبها يوما ) ص٩.

وبذلك تقلب الروائية الموازين ليصبح التمثيل الكتابيّ للصورة الأصل لحظة حيّة تخترق بإحساس عال قلب الماضي وتضيئه بما لم يكن بمثل ذلك الوضوح في ماضي التجربة المعيشية٠

تقول الرّاوية: (شاهدت عمّها بكرا في المنام يحمل قنديلاً عظيمًا، أنواره تسطع كالشمس يعتلي فرسًا عربية بيضاء بذيل طويل  وعرف جميل، يتبعه آلالف الفرسان على خيول منها الأسود والأحمر. يحملون قناديل أصغر من قنديل عمها، يشقون بها الظلام الحالك والخيول تحمحم وتصهل وتجري تاركة خلفها غمامات من الغبار الذي أثارته حوافرها ؛ فيلكزونها بمهاميزهم ليسرعوا من خطواتها متوجهين إلى القدس) ص١٧١.

دير ياسين مكان قطع السرّة؛ ديرياسين رحلة نضج فكريّة وعاطفيّة غير مسبوقة في تاريخ الشخصية الفلسطينية التي عاشت وشاهدت المذبحة. ففي ديرياسين عرفت زينب الحب والفراق وضياع الحب، كدلالة وإشارة لسقوط القرية؛ فالحب الذي لا يكتمل بدورته الإنسانية؛ لا يمكن أن يبقى وطنا٠

بديعة النعيمي في روايتها "عندما تزهر البنادق"، جسدت لحظة عبور بين "تزهر" وصمت البنادق. وما بينهما سردت النعيمي روايتها ٠ وتركت المتلقي أسيرًا لسؤال (متى نتذكر؟).  وكأننا في حالة موت سريري. وكما قال الشاعر إلياس لحود في قصيدته "المرثية الثانية ل بازوليني - مدخل " سقفية " إلى الكلمات" :

- متى تموتُ ؟

- عندما أذكرُ أنّني امُوتُ جيّداً.

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top