هاني نديم يكتب: بورتريه لمارادونا | هاني نديم

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

هاني نديم يكتب: بورتريه لمارادونا

هاني نديم

حسنٌ، أستطيع القول اليوم بعد كل هذا الترحال أن إيطاليا لا تقع على خارطة السياحة العالمية في سطحها الأول ومفهومها الترفيهي، إنها ليست لمحبي "السيلفي" وأولئك الذين يسندون "بيزا" بأيديهم. خطأ فادح من يذهب إليها لمثل هذا! هنالك إيطاليا أخرى في الأزقة ومدن أخرى تحت المدن التي نطأها أجمل بكثير مما نرى ونتلمس.

لقد شغلني الشمال الإيطالي في كل زياراتي، كانت روما أقصى الجنوب لديّ قبل أن أعد العدة لنابولي ذات الأسرار المرعبة، قرأت الكثير عنها ما يعني أنها تحتاج إلى زيارة طويلة طويلة، ولكن لا بأس.. أربعة أيام تكفيني.

كأي سائح وزنه 100 كيلوغرام، كان اسم نابولي يعني لي "البيتزا" قبل كل شيء! البيتزا بسيرتها الذاتية والمهنية وطريقة شيّها ورحلتها في الفرن، أما التهامها فإنني به عالم وخبير. وكأي شاعرٍ يفكر بالموت أكثر من الحياة، كانت تعني نابولي لي أيضاً "سراديب الموتى" وقصصها الخرافية والكثير من أسرار إيطاليا التي لا تنتهي، قال لي أول نابوليتاني أراه في حياتي: "ميلانو جميلة جداً إلا أنها تفتقر إلى الخرافة.. الخرافة والعشق هما نابولي"!

عام كامل وأنا أقرأ حول نابولي وأدون الملاحظات، يا لها من مدينة، فقط أحتاج أن أرى ما قرأت عنه، ولكن... ما الذي أتى بمارادونا إلى هنا؟ لماذا أراه على كل الجدران؟! لن أشغل نفسي بهذا ورحلتي أقصر من مارادونا شخصياً!

جئت لسراديب الموتى والمتاهة الممتدة تحت مدينة نابولي، جئت لسلالم سانتا ماريا وكنيسة سان سيفيرو وكرسي سانتا ماريا فرانشيسكا التي تقصدها النساء من كل حدب وصوب يتشفعن بها ليحملن ويلدن! جئت لحديقة الشاعر العظيم "فرجيل" الأسطورية التي قيل أن فرجيل عثر فيها على زجاجة سُجن فيها اثنا عشر شيطانًا، ومقابل تحريرهم سيعلمونه جميع أسرار السحر، فرجيل الذي كتب الإنياذة في 12 مجلداً و12 عاماً وعده النقاد ساحراً في الشعر، وعدّه "دانتي" والعامة ساحراً حقيقياً... ولكن لماذا يطالعني مارادونا أينما ذهبت؟ سألت الراكب بجانبي. أجاب دون أن ينظر إليّ: "لا أعرف. أنا مثلك لست رياضياً". دييغو مارادونا.. إيييه، كدت أنساه!

 

فلاش باك/

الزمان: 2 يوليو 1982 مونديال إسبانيا

المكان: برشلونة - ملعب ساريا (كم أكره هذا الملعب)!

لم أنم منذ ليلتين، أنا الطفل الذي يشعر بالقلق من خروج منتخبه المفضل الأبرز في البطولة..

كان عمري عشرة أعوام، قالوا لي؛ وبلغة الطفولة التي لا تكذب: هنالك لاعب اسمه مارادونا لوحده سيهزم زيكو وسقراط وإيدر وفالكاو وجونيور، هذا غير كامبس وباساريلا والحارس فيلول ذي الأصول السورية، كانوا يقولونها لي بتشفٍ وتحدٍ ولؤم.. لم أنم، انتظرت تلك المباراة بين الأرجنتين حاملة اللقب والبرازيل عشقي وغرامي أنا الطفل الذي لا أحب كرة القدم إلا لأجل تلك الفانيلات الصفراء.

انتظرت المباراة ليلتين صيفيتين لتتبدد هواجسي مع صفارة الانطلاق والاطمئنان على تفوق البرازيل البدني والمهاري والذي أطبق بكماشة مواهبه المرعبة على قتال مارادونا، نعم لقد كانت المباراة بين البرازيل بكل نجومها من صوب، ومارادونا من الصوب الثاني! .. أحببته يومها، بل عشقته وهو يقاتل قتال الرجال في مواجهة وحش البرازيل بأذرعته المرعبة، تلك المباراة التي تحولت إلى قتال حقيقي وطرد منها مارادونا المحاصر المهزوم..

ولكن ماذا يفعل مارادونا في نابولي.. أنه مرسومٌ كالقديسين.. ومنذ متى إيطاليا تطيق الأرجنتين!؟

 

حسنٌ.. لا يهمني! أنا جئت لآكل البيتزا التي يزعم النابولتيون أن ألوان علم إيطاليا مأخوذة منها! الجبنة اللون الأبيض، والريحان اللون الأخضر، والطماطم الأحمر، ولكن.. لماذا مارادونا هنا مغناطيس برّاد وقلم رصاص! حتى في محال الـ Galleria Umberto الفخمة ستجد مارادونا، لقد تجاوز الأمر الحيّ الإسباني وجدران الأحياء الفقيرة، ..لن أتجاوز أنه يباع في المحال على كل الأشكال، وشاحاً وتمثالاً على هيئة قديس ومفتاح كازوز! قال لي صاحب المحل: إنه معبود نابولي يا رجل، ما هذه السياحة السطحية؟! لقد غير وجه نابولي للأبد.. ألا تعلم أنه افتكّ دوري إيطاليا من براثن الشماليين "المخنثين" وأهداه لنابولي!

دوري إيطاليا؟! ولِمَ تحتفل نابولي بهذا الحدث العادي كما هو المفروض؟ أوليست نابولي هي المدينة الثالثة في إيطاليا ومن الطبيعي أن تفوز؟ "قلت في نفسي".. اللعنة على الضحالة الرياضية وعلى "فوكو" الذي أفسد عيشتي. لقد أصابني هذا البائع في مقتل! كيف لا أعرف كل هذا؟ كيف غير هذا الأرجنتيني وجه المدينة، (أنا) يقال لي ما هذه السياحة السطحية؟!..

حسنٌ لقد أفسد رحلتي السيد دييغو، عليّ أن أتتبّع خطاه. أولم يقل فيرجل الذي أتيت لأجله: "لنتبع أقدارنا حيثما أخذتنا"؟

 

إذاً؛ تغيرت خارطتي ومخططاتي في المدينة، أكملت كل سراديب الموتى والكنائس في يومٍ واحدٍ، المفاجئ أن مارادونا في كل مكان! على جدرانها وعلى شموعها، كتب له النابوليتيون عبارات حبّ وترجّي، حقاً شعرت كم كنت سطحياً، إذ أن فقرة ماردونا ونابولي غائبة عني - أنا الصحافي - وهذا عيب فادح، فمارادونا ليس مجرد لاعب وحسب، إنه وجبةٌ كاملةٌ وخبرٌ متصل، مضارعٌ ومستمر! فلك أن تتخيل أية قائمة سيكون مارادونا فيها، الأثرى، الأكثر تأثيراً، الأكثر جدلاً، أرباب المشاجرات، الفضائح، الأكثر تبرعاً.. إنه كائن من لحم ودم. كائن حقيقي يحيا بيننا بكل عظمة. إلى جانب جهلي بفقر نابولي وإن كنت أعرفه، ولكن الفقر بالذات يلمس ولا يوصف، عليك أن تتجول في الحي الإسباني لتفهم ما أقول..

ولكن كيف اشترت نابولي مارادونا وهي بهذا الفقر؟

كانت إيطاليا فعلياً مقسمة إلى اقتصاديْن منذ توحيدها عام 1871. الشمال الصناعي الغني، والجنوب الزراعي الفقير، هوة اقتصادية هائلة، الشمال الازدهار والنمو، الجنوب الفساد والجريمة المنظمة، الشمال مملكة Fiat المرعبة والجنوب الفلاحون السذج، الـ "terroni" وهو مصطلح مهين للغاية. عشرات المبادرات الشمالية لدعم الجنوب فشلت كلها بسبب الفساد الإداري والمافيات، الشمال الحصانة والجنوب البطالة، الشمال يدفع الضرائب والجنوب ينفقها، قامت الكثير من الحركات اليمينية تطالب باستقلال الشمال عن الجنوب، هذه التراكمات امتدت لكل تفاصيل الحياة وكرة القدم منها، وبالطبع؛ سيطر الشمال على تلك اللعبة، يوفنتوس واس ميلان والإنتر. لم يفز أي فريق جنوبي إلى أن جاء دييغو الذي قلب الطاولة والبلاد والمراهنات وكل البديهيات.

 

لم يعان إيطالي من العنصرية والمناطقية أكثر من ابن مدينة نابولي، كانت فرق الشمال تستقبل فريق نابولي بهذا النشيد كتقليد:

مرحباً بكم في إيطاليا!!

حتى الكلاب لتهرب من النابولياني

لا بد من غسيل النابولياني

حامل الكوليرا والفسفس

النابولياني خراء.. النابولياني كوليرا

اغسلوهم بالنار

نابولي كانت تغلي، تريد أن تثأر لنفسها ولو لمرة، أوكلت أنطونيو جوليانو رئيس النادي لشراء دييغو مارادونا من برشلونة بأي ثمن، اجتمعت لأجل هذه الصفقة كل مرافق نابولي، الشعب والمؤسسات وحتى المافيا النابولية "الكامورا"! لقد جمعوا المال الناقص من أصحاب المحال ومن المؤسسات في مدينة كانت حينئذ دون رئيس بلدية وفي نقص فادح في الوحدات السكنية والصرف الصحي والمدارس والحافلات والعمل والضمانات، إلا أن الصحف عنونت في اليوم التالي من الصفقة: "لا يهم.. لدينا مارادونا".

 

يقول مارادونا في سيرته الذاتية: "أنهم يحبونني حقاً، كانت نابولي مدينة مجنونة -مجنونة مثلي - كرة القدم هي الحياة لدى أهالي نابولي. ذكرتني بأصولي وجذوري، جنون في الطرقات، إضرابات عن الطعام. أناس قيدوا أنفسهم بالسلاسل على سياج ستاد "سان باولو" يترجونني أن آتي.. كيف يمكنني أن أخذلهم"؟

جوليانو يشبه مارادونا، هو أيضاً من أحياء نابولي الفقيرة. لقد استطاع أن يقنعه بالمجيء إلى فريق مغمور، همس له قائلاً: ستصبح آلهاً في نابولي، الشعب سيموت من أجلك! وافق مارادونا على الفور، كان بحاجة ماسة للحب والتقدير بعد سنوات مع برشلونة عانى فيها من التمييز العنصري والدونية أينما ذهب. جوليانو بدوره كان يريده بأي ثمن، وافق على رقم قياسي لم يعرفه العالم في الثمانينيات للتوقيع مع هذا الأرجنتيني، برشلونة بعد أن تم الاتفاق على 10ملايين وأربعمئة ألف دولار طلب في آخر لحظةٍ مبلغاً إضافياً قدره نصف مليون جنيه استرليني لإتمام الصفقة. المبلغ تم جمعه من الشعب النابولي بواسطة مجموعات بشرية انتشرت في الشوارع ولك أن تتخيل من أين. من المساكن السيئة السمعة في الحي الإسباني ومن حي فورسيلا الذي تديره الكامورا ساعدوا جميعًا في تعويض الفرق وتم تنفيذ الصفقة.

على قائمة أهم اللحظات في تاريخ الرياضة، ما يزال مشهد مارادونا وهو ينزل إلى استاد ساوباولو في نابولي من المروحية بين 80 ألف مشجع يغمر العالم، ينتظرون قديسهم الذي هبط لهم من سماء نابولي الصافية في نهار تموزي رائق. كانوا ينشدون نشيداً يملأ القلوب بصوت واحد.. رأيت مارادونا رأيت مارادونا..

وصل مارادونا إلى نابولي بعد هذا المشهد البديع، وتلك الصفقة العظيمة، إلا أن الأمور لم تجر كما أراد، يقول مارادونا: لقد جئت هنا لأن الأمر يتعلق بالاحترام، لكنني طلبت منزلا فأعطوني شقة. طلبت فيراري فأعطوني فيات، لم يفز بالدوري عام 84 -85. كان الدوري الإيطالي محتشد بنجوم العالم، في كل الفرق، بلاتيني وتارديللي وكابريني وبونياك ولاودروب وباولو روسي في جوفانتوس، مالديني وفان باستن وغوليت وريكارد وباريسي في اي سي ميلان، رومينيغه وألتوبيللي وماتهاوس وبريمه وكلينسمان وبيرغومي في الإنتر، باتيستا وفونتي في لاتسيو، فالكاو وكونتي وسيريزو وغرازياني في روما، مانشيني وفيالي في سامبودوريا، جونيور وستشاتشنر في تورينو، وكان قد سبق دييغو، النجم البرازيلي الأول آنذاك زيكو إلى أودينيزي إيطاليا في حدث كبير كاد أن يسبب ثورة في البلاد، ومثله سقراط العظيم إلا أنه لم يتحمل إيطاليا كما هو معلوم.

لم يفز مارادونا هذا الموسم ولكنه أرعب الشماليين ورفع ترتيب الفريق، وبدأ بالفوز على فرق الشمال حتى فاز بموسم 87- 88، ولم يكتف دييغو بهذا، بل قاد نابولي للفوز بكأس أوروبا، وفي وسط كل هذا، قاد الأرجنتين للفوز بكأس العالم في المكسيك 1986. هذه الكؤوس والنصر وراء النصر، جعلت من مارادونا آلها حقيقياً لدى أهالي نابولي، آولئك المؤمنين بالخرافة والأساطير، المتشفعين بسان جينارو أصبحوا يتشفعون بمارادونا.

يقول مارداونا في كتابه عن مباراة نابولي وجوفانتوس: كان كل شيء ضدنا الجميع في الملعب، ولكن الأسوأ.. الأسوأ على الإطلاق كانت لافتات "مرحبًا بكم في إيطاليا"! هذا جعلني أخوض معركة لا مباراة، إنه جزء من كفاحي كيساري وفقير. لقد هزمت جوفانتوس!".

 

إن جوفانتوس هو إحالةٌ مباشرة للغنى والثراء والقوة الشمالية، نادٍ امتلكته عائلة Agnelli عام 1923 تلك العائلة التي كانت تمتلك مملكةFIAT أيضًا إنهم الفريق المفضل للرأسماليين والبرجوازيين، إنهم المدللون من قبل الحكام والسلطة والحظ والحياة، وبالتالي لا أحد يكرههم أكثر من النابولتيين، وما أدراك ما النابولتيون، إنهم أصحاب الأسبقية في التمرد تاريخياً، منذ الإمبراطورية الرومانية تحدى قديس المدينة سان جينارو العاصمة روما أثناء ما يعرف باضطهاد المسيحيين العظيم، ثار وأنقذ السكان المحليين من موت محقق عن طريق إخفائهم في تلك السراديب المعروفة، أيضاً كانت نابولي أول من ثار ضد موسوليني الطاغية فيما عرف بـ "أربعة أيام من نابولي" عام 1943.

يا آلهي.. إنها المدينة المثلى لمارادونا، دييغو المتمرد والصديق الحميم لكاسترو وصديق الفقراء والمناهض لأي مؤسسة.

يقول كارلو جارجانيز عن "إله نابولي" لا يمكن لشراكة أن تكون ناجحة بالقدر الذي نجحت فيه شراكة دييغو ونابولي، إنها علاقة في منتهى العاطفة والمشاعر على كل المستويات، الفرح والتفاني والجنون بنفس المقدار".

من اليوم الأول شعر دييغو على الفور بأنه في منزله في نابولي. لقد نشأ في فقر مدقع في "فيلا فيوريتو" المدينة فقيرة المكتظة بالسكان في ضواحي بوينس آيرس، لم يكن هناك مياه نظيفة، ولا توجد طرق معبدة، كان أبوه يخرج إلى العمل في الرابعة صباحاً ليعود ميتاً إلى المنزل آخر اليوم على حد تعبير دييغو.

 

مارادونا ابن الفقر والقهر، لهذا كان يبدد ثروته على الفقراء والمحتاجين، منذ نشأته لعب لـ"بوكا جونيورز" فريق الطبقة العاملة الذي قاتل "ريفر بلات" فريق الصفوة، جاء إلى برشلونة على اعتبار أنه بوكاجونيورز آخر، لكنه فوجئ بالعنصرية البغيضة والنبذ! كانوا يصفونه بالـ "سوداكا" وهو مصطلح محلي مهين يصفون به اللاتينيين ذوي البشرة الداكنة.

في نابولي المضطربة أصبح معبود الفقراء كما كان في بيونس آيرس

يقال في اللغة الإيطالية لا مرادف لكلمة "الخصوصية"! وبطبيعة الحال لم يكن لأحد في نابولي أن يكون بمعزل عن الكامورا، تلك العصابة المتجذرة من النقابات الانتهازية والكوزا نوسترا، لا بد لمارداونا أن يكون من حصّتهم، وفهم مارادونا اللعبة وعدم قدرته على مواجهتهم، فاستغل ذلك ليصبح "روبن هود" المدينة بطلب العمل لأصحاب البطالة والتعليم للأطفال الفقراء، وقبلوا بدورهم.. لقد حصلوا عليه وحصل عليهم، إنه اللاعب الوحيد الذي احتفى ببيع السلع غير الرسمية التي تجسده، لينعم الفقراء. يقول مارادونا عن ذلك: "على كل حال، أنا لست قديساً أنا لاعب كرة قدم".

المخرج الشهير آصف كاباديا صنع فيلما عن إيرتون سينا وفاز بجائزة الـ BAFTA ثم صنع فيلما آخر عن المجنونة آمي واينهاوس وفاز بالأوسكار. ثم قرر أن مارادونا فريسته الوثائقية التالية، يصفه بقوله: "بريء وجذاب ومحبوب على الفور، لا يمكن التنبؤ بما يفعل وملتوٍ جداً" ظل سنوات يلاحق دييغو بين العواصم ليخرج فيلمه التحفة "دييغو مارادونا، المتمرد والبطل والمحتال والرب" وقد تناول فيه علاقة مارادونا بنابولي أيضاً، نابولي المافيا والجمهور والشوارع والحياة.

 

أعود للقول، أن إيطاليا قارة مستقلة، كل مدينة فيها عجيبة من عجائب التاريخ وعلم الاجتماع، لا يمكن وصفها إلا بتلمسها كالأعمى!

ياه.. أين كانت عني تلك المدينة المجنونة؟ وإن كان وصف المجانين يلاحق الإيطاليين، فحتما بسبب هذه المدينة، نابولي..

نصحني أحد مشجعي نابولي العتاة بزيارة حانة Bollicine "الفقاعات" في حي فورغروتا، هناك يجتمع أصحاب الحكايا ومشجعو نابولي. قال لي: صاحبها اسمه "إينزو كوسينزا" إسأل عنه، سيغني آخر الليل أغنيته المفضلة:

ماما لماذا قلبي يرتجف؟

ماما لماذا قلبي ينبض هكذا؟

لأنني رأيت مارادونا

أنا في حالة حب...

من لحظات نابولي التاريخية، فوزها بدوري 1987 أو ما يسمى باحتفالات سكوديتو التاريخية حيث كان يكفي نابولي التعادل على أرضه أمام فيورنتينا وروبرتو باجيو، وفعلها! انفجرت المدينة بعد صافرة النهاية وخرج النابولتيون المجانين يلبسون شعرا مستعارا كشعر مارادونا ويقيمون جنازات وهمية حاملين توابيت ليوفنتوس وميلان وبقية الفرق مكتوب عليها: "أنت لا تعرف ما فاتك!" لقد انتقموا بعد تاريخ من الاضطهاد والازدراء.

 

من عادة النابولتيين أن يطلبوا قهوة معلقة، فإن كانوا ثلاثة طلبوا خمسة فناجين، تاركين فنجانين لمن لا يملك المال، فيأتي لاحقاً رجل يطلّ من الباب ويسأل: هل يوجد قهوة معلقة؟ بيرة معلقة؟ فيشير له صاحب المكان بيده.. تفضل.. برفرير..برفرير.

سمعتهم يغنون آخر الليل أغنيتهم الشهيرة التي يغنونها في الملاعب لفريقهم ويميلون كموج البحر:

ولكن أين يذهب البحارة مع السترات البيض؟

دوماً يبحثون عن قتالٍ أو بازار...

ولكن أين يذهب البحارة مع وجوههم المتعبة؟

دوماً سيجدون طفلاً لتقبيله..

ولكن ماذا يفعل البحارة عندما يصلون إلى الميناء؟

سيذهبون للحب..

لشخص ما زال على قيد الحياة من أجل الحظ

لآخر مات

هناك دوماً أرملة لدق بابها والزيارة

 

ولكن أين يذهب البحارة الأوغاد الحكماء

مع هذا الملل الذي يقتلهم

قد يغفون على الجسر

أو على الأرض

في القاع

على

مضض


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top