التنوير | فادي الشورة

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

التنوير

فادي الشورة

"إن الأنوار هي خروج الإنسان من "القصور/عدم الرشد" الذي سببه لنفسه بنفسه. القصور هو إعاقة عدم استعمال المرء لعقله دون قيادة شخص آخر. وتسبيب شيء للذات بالذات هو هذا القصور، عندما لا يكمن سبب هذا الأخير في ضعف في العقل، بل في غياب قرار وشجاعة استعمال العقل الذاتي دون قيادة شخص آخر. لتكن لك الشجاعة لاستعمال عقلك الذاتي/الخاص". (موقع حكمة - ما هي الأنوار - إيمانويل كانط - ترجمة: حميد لشهب)

بهذه الكلمات أجاب الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط على سؤال ما هو التنوير أو ما هي الأنوار؟

قصور عقلي سبّبه الإنسان لنفسه، لا بسبب ضَعْفٍ في العقل، إنما بسبب غياب الشجاعة في استعمال العقل دون قيادة شخص آخر، والتنوير هو انعتاق الإنسان من هذه الحالة التي وضع نفسه فيها، هو أن يملك الإنسان الشجاعة لاستخدام عقله.

لطالما قرأنا وسمعنا عن أن العقل هو الميزة التي ميّز الله بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، وأن العقل هو "مناط التكليف" بتعبير علماء أصول الفقه، وأن فاقدَ العقل فاقدٌ للأهلية والتكليف مرفوع عنه القلم، لكن هل فعلا نحن نستخدم هذا العقل ونقوم بحقه، هل تعليمنا يركز على استخدام العقل وتعلم أسس التفكير السليم، هل خطابنا الإعلامي في وسائل الإعلام المختلفة يخاطب العقول ويحترمها أم هو خطاب عاطفي لا عقلاني يعتمد التجييش وجمع المشاهدات حتى في البرامج الحوارية فَضْلاً عن غيرها. هل ما نسمعه من خطب الجُمَع في المساجد كل أسبوع يحترم عقول الحاضرين ويقدم لهم خطابا دينيا عقلانيا يعمل على تحصين العقول عن الخرافات والأساطير، إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فمن أين خرجت كل هذه الأجيال التي يسيطر على عقولها الفراغ والخرافات، ورفض الآخر والمختلف، والتعصب للرأي في أبسط الأمور وعدم قبول الاختلاف؟

ألسنا ندعي أن ديننا يأمرنا باستخدام عقولنا؟ وأنه عاب على المشركين تعطيل عقولهم وتقليد الآباء والأجداد دون بصيرة وإدراك لما كانوا فيه من انحراف؟ ما بالنا نحن نسير هذه السيرة مع سابقينا وقد أسلمنا لهم عقولنا في كل شيء، فإذا ما جاءنا أحد بشيء جديد لم نتعود عليه أو لم نسمع به من قبل، طلبنا منه أثرا من آثار السابقين حتى نقبل منه؟

بحسب كانط في مقاله "ما الأنوار" فإن الكسل والجبن هما السببان اللذان يجعلان أغلب الناس يعيشون حياتهم قاصرين لا يستخدمون عقولهم، مما يجعلهم فريسة سهلة للتطويع وإخضاعهم للسيطرة من غيرهم.

الكسل عن استخدام العقل وامتحان الأفكار والعادات وحتى المعتقدات التي ورثناها عن الأبوين وعن البيئة وحتى عن المدرسة والجامعة، الكسل الذي يجعلنا أسرى لأفكار ربما تكون سبب ضيق وإحراج لنا ومع ذلك نبقى أسرى لها لأننا لا نريد أن نُتعب أنفسنا وعقولنا في البحث عن إجابات للإشكالات التي تعرض لنا حول هذه الأفكار والمعتقدات، الكسل الذي يجعلنا نرضى بجهلنا وتخلفنا وقصورنا.

والجبن هو السبب الثاني وربما هو الأهم، الجبن عن مواجهة الحقيقة، الجبن الذي يجعلنا نتمسك بأفكار نخاف أن يظهر لنا بطلانها وزيفها وهي التي سيطرت على حياتنا فترات طويلة، وحكمت أخلاقنا وتعاملاتنا ومواقفنا وعلاقاتنا، فنخاف أن يظهر بطلانها فلا نستطيع أن نقف أمام أنفسنا وأمام حقيقة أننا ربما عشنا عقوداً من أعمارنا سيطرت فيها علينا أوهام كثيرة، وتحكمت بنا وبحياتنا أفكار هي أوهام وخرافات، فيدفعنا جبننا إلى رفض التفكير فيها ورفض النقد لها ورفض أي مساس بهذه الأفكار "المقدسة" عندنا، حتى لا ننفضح وينفضح زيف ما عشنا له، لذلك نرضى بجهلنا ونرضى بظلامنا فنعيش حياة الخفافيش التي تخاف الضوء لأنه يفضح ضعف أبصارها، ولا نكلف أنفسنا أن نقف ولو قليلا لنقوم بمراجعة أفكارنا وحياتنا، لعلنا نُقَوّم أو نُعدل فيها، ولكن هيهات والخوف من الحقيقة يمنعنا.

وحتى ذلك الوقت الذي نملك فيه الشجاعة والجرأة على استخدام عقولنا وإخضاع كل شيء تعلمناه وربينا عليه للمسائلة، أقول حتى ذلك الوقت سيبقى أمرنا في تأخر وفي إدبار، وسيبقى يقرع أسماعنا قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج.

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top