عمّان في القلب | لارا مصطفى صالح

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

عمّان في القلب

لارا مصطفى صالح

عندما كنت فتاة غضة لم تدرك وقع الزمان بعد كان العمر، أيضا، ممتدا بلا حد، وخيوط الشمس بدايات أيام شهية، وإيقاع المطر مدهشا غير متشابه. كنت أظن الحياة لن تنتهي أبدا وأني لن أغادر الحارة القديمة عالمي الساحر.  حدود عمان لم تتجاوز في تلك الأعوام مدرسة الوكالة في حي أم تينة بجبل الجوفة أما الوصول إلى وسط البلد فكان مغامرة غير مأمونة.  لم أتخيل أني ذات يوم سأكون مودعة عيني عمان المكحولتين نحو بلاد قصية. ولو أطلعتني (ستي) أني سأبلغ هذا الفضاء الذي أكتب منه الآن لما صدقت.

مع حلول التسعينات التي قدر لي أن أعبرها، ومر العالم  فيها بما مر به، تبدلت أمور كثيرة، وصار يطرقني هاجس الموت كل ليلة. كنت أراقب من حولي سائلة نفسي: أين سيكون كل منهم بعد ثلاثين سنة؟! في كل مرة وقفت فيها أمام نص ينتحب في رثاء أم أو أب رحل ولم يترك عنوانا ولا موعدا أشعر بخوف وهلع ويخض قلبي وينمو جرح في روحي‪

ما مر بعد ذلك ثقيل. تعاقبت أحوال وفصول، ولاحت منعطفات حادة؛ تبدلت أقدار وانقضت حيوات قبل الأوان، وانكفأت بديهيات. وعلى كثرة الأحداث في حياتي  الممتدة منذ 44 عاما، ورغم فشلي في ترويض صبري، كنت متلقية بارعة للطمات، ولا أذكر أني انغمست في أحداث شريرة، إذا ما استثنيت كذبتي الشهيرة: (هيني بالطريق)!  إلى ذلك، عادات قديمة صاحبتني وما تزال تتبختر في عقلي، وتستوطن نفسي، كأنما تمنحني فرصة طيبة لقهر الوحشة، ولتدبر أمري مع قُطاع الحياة ومغالبة ما أكره

هي العادات التي تلقنها قلبي كما استعذب أغنية (أرخت عمان جدائلها) فأصبحت أتذوق مرارة  الحنين  فيها، تماما  كما أكرر الاستماع لأغنية (جفرا وهي يا الربع) لـ (فرقة العاشقين) التي ما تزال أغانيها ومنذ أربعين عاما تدق بإصرار ودون كلل بوابة فلسطين. أستنطق الدهشة في شخصيات الروايات، وأنصت إلى وشوشة الأرواح الهائمة فيها. أبحث عن نفسي في خوابي أزمنتها وأماكنها، كل هذا فقط لأسافر خارج حدود هذه الدنيا. خذ مثلا، دكتور (زيفاكو) فقد أغدقتُ عليه أحلاما لم يبلغها ساكن السحاب نفسه، ورسمت له لوحات عشق متأججة، وأيضا وقعت ميثاقا أبديا مع (يوري) وواريته في زاوية سرية في دماغي

لا ألقي بالا إن نعتني أحدهم سرا أو علنا بـ (المتكبرة) أو (الجدية أكثر من اللزوم) أو أي لقب آخر..  لا ألقي بالا لو أنه حتى تشاءم مني فاعتبرني (بومة) مثلا. ثمة سكون لا يحس به غيري يقف بيني وبينه إذا ما رأيت ابتسامته وهو يستمع إلى مذاق الخيبة في صوتي المخنوق، ثم يأتي على ترتيب كلامه أمامي، كما يرتب كاتب أزهاره ونساءه في نص هربت روحه منه ذات ظهيرة باردة الأحاسيس.

لم أعرف يوما اتجاه القبلة، ولا أشعر بحرج إن سألني الضيوف عنها وأجبت: ما جدوى تحديد الاتجاه إذا كان الله موجودا في كل الاتجاهات صلي من قلبك وربك والله رب قلوب!

لا أنام سوى ساعتين أو ثلاث ساعات كحد أقصى كل ليلة. أتفقد أكثر مما ينبغي ابنتي وابني نائمين ما الذي سيحل بهما في قادم الأيام؟ 

أشم رائحة ياسمينة ضاعت في وحشة الغياب. أسمع صدى أصوات الصيف وهمس برد الشتاء وأصوات الشوارع في عمان. تطل علي وجوه عرفتها من نوافذ الحارة القديمة حين تفتح جفونها قبيل الفجر، ويلوح لي طيف ساهر تحت ضوء النجوم، يدنو مني حتى توشك عيناي على إمساكه، لكنه يفلت.  وما بين هذا وذاك تطالعني مكتبة قديمة تكاد الكتب فيها تعرفني كما أعرفها. أرفع عيني مقدار لحظة فأجد نجيب محفوظ وقد تربع على أحد رفوفها العريضة، أرى وجه (السيد أحمد عبد الجواد) مشرقا بالبهجة، يمسح براحة يده على  وجه ابنه (كمال) كأنما ليزيل عنه ما علق به من آثار قسوته عليه. ثم تترامى إلي ضربات طرف عصاه المتتابعة تدق الأرض فيسقط المعطف ويستعيد لعب دور (السيد) فقد دخل الدار!

يحزنني أن بنت الجوفة كبرت كثيرا وتغني وحيدة في ليالي "عمَان في القلب"!

 

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top