قاسم أمين.. المفترى عليه | فادي الشورة

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

قاسم أمين.. المفترى عليه

فادي الشورة

من منا لا يعرف قاسم أمين، أحد أهم رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر، وهو صاحب كتاب "تحرير المرأة" الذي هوجم وشوهت صورته ونُسب له ما لم يقله، ممن رفضوا أفكاره وطرحه في موضوع المرأة.

كغيري من الكثيرين من أبناء جيلي الذين تأثروا بخطاب الحركات الإسلامية في مطلع شبابهم كنتُ من المبغضين لهذا الرجل كونه: (داعية انحراف وتحلل وليس تحرر للمرأة، ومن معاول الهدم في المجتمع العربي والإسلامي)، وكان يُذكر لنا كتابه "تحرير المرأة" كمثال يستلزم الذم له ولأفكاره.

لكن اطلاعاً بسيطاً على الكتاب ذي المائة صفحة يعطينا صورة أخرى مختلفة عن الكتاب والكاتب، صورة مغايرة لما يشاع عنه، ولو قلت إنه في كتابه كله يدعو لما دعا له الدين، ولم يدعُ لأية فكرة تخالف الدين، بل إن كل ما دعا له ينطلق من خلفية دينية واعية فلن أكون مبالغاً في ذلك.

الرجل كان ثائراً على الأوضاع الاجتماعية المتخلفة التي تعيشها المرأة في زمانه، من حيث منعها من أبسط حقوقها مثل التعليم وحجبها في البيوت ومنعها من الخروج، والكثير من حقوقها المسلوبة، مع نسبة كل ذلك للدين، فدعا في كتابه إلى أن تعطى المرأة ما أعطاها الدين، بل إنه كان في بعض أفكاره يدعو لأمور لو دعا لها في أيامنا هذه لهاجمناه لما فيها من ظلم، مثل قضية التعليم التي كان يدعو فيها لأن تتعلم المرأة التعليم الابتدائي فقط.

يبدو أن الأوضاع الاجتماعية المتخلفة وسيطرة الجهل على عقول الناس في زمانه كانت من المكانة بحيث أنه لم يستطع المطالبة بأن تساوى المرأة بالرجل في التعليم، فقال صراحة: (ولستُ ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل في التعليم، فذلك غير ضروري، وإنما أطلب الآن "ولا أتردد في الطلب" أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل وأن يُعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثل ما يُعتنى بتعليم البنين) انتهى الاقتباس.

لكَ أن تتخيل وأنتَ تقرأ مثل هكذا كلام مقدار التخلف الذي كان يعيشه المجتمع بحيث تكون المطالبة بتعليم النساء أسوة بالرجال أمر "غير ضروري".

كان يسيطر علي سؤال واحد أثناء قراءة الكتاب، "لماذا هُوجم الرجل"؟

قاسم أمين لم يأتِ بجديد ولم يدعُ لبدعة من القول أو الفعل، كل ما كان يدعو له موافق للدين ويحث عليه الدين، في التعليم   كان يطالب بتعليم النساء مثل الرجال (للمرحلة الابتدائية فقط)، أين المخالفة الشرعية في التعليم؟ هل إبقاء النساء في الجهل والأمية يوافق الدين ونحن ليل نهار نتبجح أمام العالم أن ديننا دين العلم وأول كلمة نزلت في القرآن (اقرأ) وفي الوقت نفسه كان نصف المجتمع جاهلا أُمّيا ويمنعهن من التعليم.

وفي حديثه عن الحجاب، لم يأتِ بجديد يخالف الدين؛ أولاً: لا بد أن نعرف بأن هناك خلطا في المصطلحات عند الناس في معاني كلمتي "حجاب وخمار"، في اللغة العربية وفي القرآن، "الخمار" يأتي بمعنى غطاء الرأس، و"الحجاب" هو غطاء الوجه، على عكس ما يستخدمها أغلب الناس، لذلك عندما تكلم قاسم أمين عن الحجاب كان يقصد غطاء الوجه، أو بالأحرى تغطية المرأة كلها بحيث لا يظهر منها شيء، فكان يقول إن تغطية المرأة كلها لا تدل عليه النصوص الشرعية وإنما دلت النصوص على خلافه، واستشهد بأقوال العلماء الذين تحدثوا عن أن الوجه والكفين والقدمين ليسا من العورة للمرأة، فكان كلامه صريح في كتابه بطلب العودة لما قررته المذاهب الفقهية الأربعة في موضوع اللباس للمرأة، بعيدا عن العادات التي أُلبست لباس الدين في الموضوع.

في الوقت نفسه يتكلم عن حجب النساء إذا بلغن سن 12 – 14 سنة، بحيث لا تخرج لتعليم ولا لأي شأن من شؤونها وتصبح حياتها كلها محصورة بين أربعة جدران حتى يأتيها من يتزوجها فتنتقل من (سجن الأب) إلى (سجن الزوج) حتى وفاتها، فلا ترى العالم ولا تشارك في الحياة الاجتماعية ولا يكون لها دور في نهضة المجتمع وهي نصف المجتمع، فهل هذا ما يدعو له الدين وهل هذا ما كان عليه الأمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟

تكلم كذلك عن موضوع الزواج والعادة السيئة التي كان يتم الزواج فيها دون أن يرى العروسان بعضهما إلا ليلة الزفاف ويُكتفى برؤية أم العريس وأخواته للعروس، فلا رؤية ولا كلام ولا جلوس مع بعضهم، وهل هذا من الدين في شيء؟ وسأنقل كلامه في هذا الموضوع كما هو حيث يقول: (كيف يمكن لرجل وامرأة سليمي العقل قبل أن يتعارفا أن يرتبطا بعقد يلزمهما أن يعيشا معاً وأن يختلطا كمال الاختلاط؟ ..) انتهى الاقتباس.

إن كان لي أن أنتقد الكتاب في شيء، فنقدي ينصب على كلامه عن موضوع تعدد الزوجات، فإنه وإن كنت أتفق معهم في أن هذا الأمر فيه من الألم للزوجة الأولى وربما نتج عنه ظلم لها ولأولادها بحرمانهم من أبيهم عندما يشاركها به غيرها، وربما أتفق معه بأنه يحق للدولة أن تتدخل في تقنين هذا الأمر؛ لأنه من الأمور المباحة التي يحق للحاكم التدخل فيها بل يحق له أن يمنعها إن رأى في المنع خيرا، لكني أختلف معه في بعض توصيفاته لهذا الأمر حيث قال: (وبديهي أن في تعدد الزوجات احتقاراً شديداً للمرأة ..الخ)، فلم يكن موفقاً في هذا التوصيف لأنه في النهاية يبقى التعدد أمر أباحه الله فلا نقول عما أباحه الله أن فيه احتقار للمرأة، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم عدّد فهل كان في تعدده احتقار لزوجاته؟!

في الختام أزعم أن قاسم أمين في كتابه لم يأتِ بأي أمر أو فكرة تخالف الدين، وأنَّ من هاجموه وما يزالون قد ظلموه؛ فإما أنهم لم يقرؤوا كتابه، واكتفوا بسماع ما قيل عنه دون تبين لصحة ما نُسب إليه، أو أنهم متعصبون يريدون فرض أفكارهم على الآخرين، وإن كان قاسم أمين قد طالب بحقوق بدهية وبسيطة للمرأة فإن معركة تحرير المرأة من الجهل والتهميش والظلام ما تزال مستمرة ولم تهدأ بعد.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top