يحيى النعيمي.. فتى لم يفوت القطار سنة 1977 فصار أمجد ناصر

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

أمجد ناصر

يحيى النعيمي.. فتى لم يفوت القطار سنة 1977 فصار أمجد ناصر

تنوير – خاص

 

لارا مصطفى صالح

 

بالذاكرة المثخنة بالهزائم العربية، وبروح البداوة، كان حضور أمجد ناصر  ممتدا في الكتابة. الفطنة شعرا ونثرا ورواية  عبر بلاد الاغتراب والعزلة التي اختارها عنوانا لديوانه "رعاة العزلة" الصادر في عمان عام 1986.

هو نفسه (يحيى النعيمي)، المولود في الطرة  شمال الأردن عام 1955 . الابن البكر لعائلة بدوية احترف أفرادها العمل العسكري. تنقل مع والده في الإجازات ما بين مكان إقامته في الزرقاء إلى قرية (تل شهاب السورية) الحدودية حيث يقيم جده وجدته لأبيه. وفي (تل شهاب) كان يسمع يحيى  منهما الشعر والتوريات في الليل. 

 

بدأ كتابة الشعر وتفتح وعيه المبكر على السياسة في المرحلة الثانوية، ومع بداية مرحلة ما بعد المدرسة، كان يتنقل بين مقاهي عمّان والزرقاء ونادي أسرة القلم، مثلما تنقل في الوظائف. وبعد رحلة إلى سوريا قال: "عدت إلى الأردن ماركسيا"! 

كتب يحيى قصائد الشعر العمودي، وجمعها في مجموعتين لم تنشرا، هما: معبد الأحزان، وأغنيات على الطريق الترابي، وقد أسقطهما من مذكراتهِ إلى الأبد، يقول شقيقه أحمد عن هاتين المجموعتين اللتين كان قد قرأهما: "هذه القصائد هي ذاكرة تل شهاب".

تنقل باسم يحيى النعيمي كما في الأوراق الثبوتيّة الرسمية، ويحيى النميري كما في الكتابات الأولى، فيما صدرت أغلفة كتبه باسمه الجديد والأبدي أمجد ناصر.

شكّل انخراط يحيى في العمل السياسي مصدر قلق للعائلة التي انتقلت للإقامة في المفرق، ما جعله ييمم بوجهه صوب عمان. وبعد فترة وجيزة، غادر الأردن إلى بيروت وكانت آخر عمل  له هو في الأردن سكرتير تنفيذي في رابطة الكتّاب الأردنيين. استقل القطار في العام 1977 ، ومنذ ذلك الوقت لم يعد يحيى موجودًا، إذ اختار اسم أمجد ناصر الذي لازمه حتى رحيله وبه عرفه العالم. 

 

بعد حصار 1982  انتقل أمجد ناصر من بيروت إلى قبرص حيث واصل العمل في إطار الإعلام الفلسطيني خمس سنوات، ثم انتقل بعدها إلى لندن العام 1987 ليعمل في الصحافة  العربية الثقافية هناك. شارك العام 1989 في تأسيس صحيفة القدس العربي وكان مسؤول القسم الثقافي فيها.

رغم انضوائه في صفوف اليسار إلا أن قصيدته ظلت بمنأى عن الشعارتية السياسية فاحتفى باليومي والتفصيلي والحسي ولم يقع مطلقا في السياسي المباشر وظلت هذه الميزة تطبع شعر أمجد ناصر. أجمع الشعراء والقراء العرب على نص ناصر وشخصه. فهو من الشعراء القلائل الذين جمعوا بين الجانب الشعري والإنساني، فكان متمردا حتى على الجمال الذي تصنعه ألفة الأشياء!

 

ومن حاضنة إيقاعية رصينة أقبل ناصر على القصيدة النثرية بعد تجربة مميزة في كتابة قصيدة التفعيلة. فبدءا من عمله الشعري الثاني "منذ جلعاد"  (1981) منح أمجد ناصر  القصيدة خصوصية عربية ، وفي هذا كتب درويش أن أمجد ناصر "أحد أبرز الذين أسسوا لشرعية جمالية قصيدة النثر العربية".

لكل عمل من أعماله روح مختلفة، ففي عمله الشعري "سُرَّ من رآكِ" (1994) الذي يعتبر الأول من نوعه في شعرية الحب العربية الحديثة بحسب وصف عدد من النقاد العرب، فقد رأى فيه النقاد إحياء حديثا لديوان الغزل العربي. كذلك كان في "مرتقى الأنفاس" (1997) الذي حاكى على نحو بانورامي ملحمي مأساة أبي عبد الله الصغير آخر ملوك العرب في الأندلس!

 

في عمله الشعري الأخير "حياة كسرد متقطع" (2004) اختط أمجد ناصر طريقا جديدة في قصيدة النثر العربية حيث وصل بالشعر إلى حدود سردية غير مسبوقة من دون أن تتخلى القصيدة عن إيقاعها الشعري الثاوي في أعماق النص، ولا يخفى على أحد أن ثمة نسغا حيا في تجربة ناصر انبثق من حفاوة تلقائية بالجسد واحتشاد بالحنين وتوق إلى حلم لا يهدأ. وربما كانت قصيدته ”وردة الدانتيل السوداء“ شاهدة على ذلك.

في العام 2010 طرق أمجد ناصر باب الرواية التي لم تكن تجد في نفسه ميلًا من قبل فكتب رواية «حيث لا تسقط الأمطار»، وألحقها بأخرى «هنا الوردة» في 2016، ثم صدر له في أدب الرحلات كتاب "في بلاد ماركيز".

 

"بس لما تعملي العملية بدك تنتبهي لشغلة.. المنطقة المسؤولة عن الكتابة لا تقربي عليها"، هذا ما قاله ناصر للطبيبة المعالجة بعد اكتشاف ورم  كان ينمو في رأسه في العام 2018.  وفي شهر شباط من عام 2019  ساءت حالته الصحية، ما دفع بطبيبه أن يطلب منه كتابة وصيته لأن أيامه باتت معدودة. وبعد مقدمة حزينة تترقب النهايات، نشر ناصر نصا شعريا نثريا رثائيا لنفسه، يلخص تجربته مع المرض الذي تسلل بكل خبث إلى دماغه. .

 

مساء 30 تشرين الأول رحل أمجد ناصر وفي اليوم التالي ووري جثمانه في (المقبرة الجديدة) بالمفرق التي تقع على بعد أمتار قليلة من سكة حديد الحجاز التي ركب في قطار منها سنة 1977 فتى اسمه يحيى فصار أمجد ناصر.

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top