في ليلة الفاجعة | موفق الحجاج

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

في ليلة الفاجعة

موفق الحجاج

 

في ليلة الفاجعة، كُنت دعوتُ البلادَ أن تحزن، وتحزن، وتحزن فقط، كان عليّ، دعوتها للغضب، فالحزن رُغم نبله يظل إحساساً، ذاتياً، عاجزاً، عن إنتاج، طاقة الثأر النبيل، وحدة الغضب، ما يستطيع، اليوم مازال الجرح مفتوحاً والغضب مشروعاً.. فلنغضب اليوم فمازال الغضبُ متاحاً.

في ليلة الفاجعة، كنت دعوت البلاد أن تبكي، وتبكي، وتكتفي بالبكاء... بكت البلاد، وبكت السماء، وبكى الحجر والشجر، ولم يتوقف البكاء لأيام، لكننا لم نغضب بعدها، حتى على دمعنا المسفوح هدراً، لم نغضب فلنغضب اليوم فمازال الغضب متاحاً.

في ليلة الفاجعة، كنت رجوت الموت، أن يكفَّ عن العبث مع الأطفال، وعن عصر قلوب الأمهات، رجوته أن يأتي إليَ، لأرافقه طائعاً، فأنا لا أطيق العيش في عالمٍ، يقسوعلى قلوب الأمهات ... لكنه لم يفعل.

بعد أيام من الفاجعة، دعوت البلاد، أن تلتقط خيط الفرصة المتدلي، من أكفان الشهداء، أن تنتفض للقصاص من كل ترهلٍ، وفسادٍ، وتقصيرٍ وخطأ، قادنا إلى ما قادنا إليه، أو لم يحل، دوننا والوصول هناك.

دعوتها أن تشمر عن ضميرها، وتدب صوتها عالياً، أن "تنتخي" بأن لا تذهب تلك الدماء الزكية، والجراح النبيلة، دون أن تصبح رسول طمأنينةٍ وأمانٍ، لمن يأتي بعدها.

 لكنها لم تفعل، وأكتفت، بترديد قناعاتها العاجزة، بأن البشر إنما خلقوا، وقوداً للفناء، رددت البلاد: "إنا لله وإنا إليه راجعون" ونامت بعدها مرتاحة البال.

يا إلهي، كيف قسى قلبُ البلاد، حتى تماهى وجهها، مع وجه الموت القبيح!!

بعد أيام من الفاجعة، صار يلحُ عليَ، سؤال قلوب الأباء والأمهات؛ ياترى، كيف رحلوا، أو كيف أكملوا المغامرة؟ هل كانوا خائفين؟ هل تألموا؟ هل كانوا وحدهم؟

أعلم، أن الموت لا يؤلم الراحلين، لكنه، يسكن ناراً في قلوب المحبين، وأعلمُ، أنه رغم قسوة الموت، إلا أن في بعض التفاصيل والإجابات عزاء.

تحكي الشواهد والشهادات، أن ملحمة، من البطولة، والشجاعة، والثبات، قد حدثت في بطن ذلك الوادي اللئيم، وإن الراحلين قد رحلوا شجعاناً، فرساناً، وربما غير مبالين.

تقول الشهادات، أن أحد الأطفال، حين داهمهم السيل، نظر إلى أقرب رفاقه، وقال مبتسماً – كعادته- : طار الحساب (يقصد حسابه على البلايستيشن). أظن السيل، قد خجل من نفسه لحظتها، وأخالَ عَمروً، رغم طراوة عمره، كان يمد لسانه الصغير في وجه السيل مردداً ما قاله سميح القاسم " أنا لا أحبك يا موت...لكنني لا أخافك ".

تروي الشهاداتُ، أن بعض الصبايا أبينَ الإستسلام لغول الماء، وما يستبطنهُ من موتٍ، إلا بعد أن انتهين من تصفيف شعورهن، ولو على عُجالة، وفيما كان السيل يعربد : هنا مقام الطين، كن يرددن دون إكتراثٍ، بل هنا مقام الأناقة... أخالهن، كُنَّ على موعدٍ مُشتهى مع الله.

تقول الشواهد، أنهم قد تخففوا من كل شيء قبل الرحيل، وعادوا إلى عالم الخلود، على الهيئة التي، غادره بها، جدهم الأول، وكأنهم كانوا يقولون لنا: لا نريد شيئاً من عالمكم البائس، حتى ملابسه، أظنهم، لم ينتموا يوماً لهذا العالم وكانوا مجرد ضيوفاً خفافاً، لذا رحلوا مسرعين.

تقولُ الشواهد، أنني، وحين بدأت تتسرب من يدي، حجة، أن الشهداء مازالوا يرقدون على أسرة الشفاء واضطررت لإخبار عبد الرحمن عن مصير رفاقه، صمت قليلاً.. ردد: "الله يرحمهم"، أشاح بوجهه عني، مسح بعضَ حشرجةٍ، ونحيبٍ، عن حنجرتهِ الغضة، ثم إلتفت إلي، ليخبرني، بحكمة العارف المتيقن "هم في مكان أفضل الآن ...هم شهداء " ثم أمرني، بلغة حازمة، ورغم جراحه الطازجة: خذني إلى المدرسة الآن... أريد أن أكون مع من تبقى".

يقول قلبي، أنه على بوابة الوادي، وفي قلبه، وعلى أطرافه،  كان الله حاضراً، كان يهدهد أرواح الشهداء، يمسح على جراح المصابين، ويزرع إرادة الصبر والثبات، في قلوب العالقين. كان الله، حاضراً، يوزع الجوائز والأدوار يبشر الشهداء:  أنتم ضيوفي الليلة، لقد ربحتم الجائزة الكبرى، بأن تواصلوا المغامرة، هناك، في عليائي.

يخبر المصابين والعالقين: أنتم عتقائي اليوم، ستعودون بجراحكم النبيلة، وقلوبكم المفطورة، لتخبروا الدنيا، بما تعرفه يقيناً، أن قرار الحياةِ والموتِ لي وحدي، ولتكن جراحكم، وحكماياتكم، شاهدةً، على أن من اؤتمنوا على حياتكم، من البشر، كانوا محض رعاع.

 

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top