الأحزاب.. بين ثنائية الوعد والوعيد | زيد أبو درويش

تابعونا

توعية صحية وتثقيف

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

الأحزاب.. بين ثنائية الوعد والوعيد

زيد أبو درويش

 ما تزال الحيرة هي التي ُتمّْيز موقف المراقب للمشهد السياسي في الأردن وتحديداً ما يتعلق بالأحزاب السياسية، فمن جهة فإن الدعوات الملكية لإنشاء الاحزاب والانخراط فيها لا تتوقف منذ بداية التحولات الديمقراطية، ومن جهة اُخرى فإن هناك إعاقة واضحة مترافقة مع كثير من العقبات التي تعرقل مسيرة تطور الاحزاب، و"المتهم" بذلك هي منظومة السلطة السياسية في الاردن! وهذا هو مصدر الالتباس والحيرة التي اشرنا اليها، فكيف يمكن تفسير التباين في هذين الموقفين الصادرين من مركز النظام السياسي في الاردن في آنٍ معا. وهل من سبيل او مقترب يساعد على تفسير وتحليل ظاهرة التناقض هذه دون الذهاب الى التحليل المتسرع أو الوقوع في شرك "الاتهامية" لأي من اطراف المعادلة السياسية في الاردن، وهذه هي المهمة التي يتناولها هذا المقال.

 في الذاكرة الاردنية والعربية على وجه العموم، فإن كلمة "حزب" ومترادفاتها مثل : جبهة، تيار، جماعة، فصيل، حركة.. الخ أينما حضرت فإنها تستحضر معها جملة من الذكريات المؤلمة، ذكريات الصراع والتطاحن، ذكريات العنف والتوتر، ذكريات السجن والاعتقال والاغتيال. في الوطن العربي وفي كثير من الصراعات العنيفة والمسلحة التي  وقعت على مدار العقود السابقة كانت كلمة "حزب" تحلق في فضاء الذاكرة السياسية العربية. في المشهد اللبناني مثلا وخلال سنوات الحرب الأهلية وعندما تابع العرب يوماً بيوم، وشهراً بشهر، وعلى مدار خمسة عشر عاما فصول حرب طحنت تحت رحاها كل اشكال الحياة الممكنة، كانت كلمة "حزب" مترافقة وعلى مدار الساعة مع مشاهد الدمار والغبار والدماء والدموع، مترافقة كذلك مع مشاهد الهروب واللجوء والانهيار. لا يتوقف الامر على التجربة اللبنانية بل انها- كلمة حزب- مترافقة مع كل محطات الصراع العنيف التي شهدها العالم العربي.

  كانت تلك هي الصور والمعاني التي تستحضرها كلمة "حزب" عندما تمر في الذاكرة العامة ، وكذلك الأمر مع ذاكرة منظومة السلطة السياسية الاردنية - سواء في عقلها الباطن او الواعي- فإن كلمة "حزب" لم تكن لتعني أكثر من "منظمة سياسية" قد يكون لها ذراع حركي عسكري قد يصل ليصبح مليشيا مسلحة، لها أجندة  تقتصر على أطماعها في الوصول إلى السلطة، او في ضرب مرافقها تمهيدا لإضعافها وبوسائل متعددة. الحزب هو (مجرد كيان معادٍ، احيانا بشكل واضح، واحيانا اُخرى بشكل خفي منافق يظهر غير ما يبطن). وفي مستوى اقل حدة فالحزب هو (تشكيل سياسي يهدف الى حشد مجاميع شعبية معارضة ويتحيّْن الفرصة للانقضاض على السلطة). وقد تصاعدت حدة هذه الصورة وانخفضت وفق مراحل متباينة من عمر الدولة.

  هل وضحت الصورة عزيزي القارئ؟ ...إياك ان تقول نعم! فإن الاستعراض الذي ورد في الفقرتين السابقتين لا يزيد مهمة هذا المقال إلا تعقيداً! فلا يمكن ان تتضمن الرؤية الملكية دعوة الى إنشاء أحزاب تحمل تلك المعاني والصور والمآلات السلبية؟ إن إزالة هذا الالتباس يأتي من معاينة مضامين الدعوات الملكية التي تشير الى منطلقات تستند الى معنى ومفهوم وصورة مغايرة  للحزب. فالحزب هنا هو احد المؤسسات السياسية السلمية التي تشارك في بناء الدولة الحديثة التي تمارس نشاطها السياسي العام استنادا الى مبادئ الديمقراطية ومعاييرها واخلاقياتها. تنطلق الدعوات الملكية بالنظر الى النجاحات التي حققها النموذج الديمقراطي في إدارة الدول وخاصة النموذج الغربي الذي استطاع تحقيق اهدافه في بناء دولة الرفاه والقوة في آن معاً.

 هكذا إذن يتوقف مصير تطور الحياة الحزبية وتباعا الحياة السياسية في  الاردن على التجاذب بين موقفين يرى الأول أن الأحزاب تمثل "وعداً" بحياة سياسية زاهرة، وآخر يرى ان الأحزاب تتضمن "وعيداً" يهدد الاستقرار السياسي للدولة. ما يزيد قوة الحجة لدى الطرف الثاني يأتي من الاحزاب والقوى الناشطة على الساحة الاردنية، فرغم التحولات التاريخية الكبرى، فإن القوى اليسارية والقومية       ورغم ما طرأ عليها من ضعف وتراجع إلا إنها لا تزال في حالة اصرار على اعادة إنتاج نفس الخطاب والمواقف وبالتالي انتاج ذات الصورة التاريخية، ولا يختلف الامر كثيراً عند الحديث عن الحزب الاسلامي الذي يتمترس في نفس الخندق وينتج ذات المخاوف منذ صعوده اواخر ثمانينات القرن الماضي.

  وكذلك ومن مقترب آخر، فإن محاكاة النموذج الديمقراطي الغربي، وما يشابهه من نماذج اُخرى في العالم، لا يجد له اي سند نظري يؤكد نجاعته، فإذا كان من الممكن نقل السلع والاجهزة، وإذا كان من الممكن نقل بعض الأساليب والافكار التي تطبق موضعيا، فإنه من الصعب نقل تجارب إدارة الدول والمجتمعات منزوعةً من السياق التاريخي الذي تطورت فيه، إذ أن ذلك يستدعي نقل كل القيم والمعايير التي تدعم الحرية السياسية والاجتماعية التي تطورت في سياق صراعي محدد، وما نتج عن ذلك من كيفيات في توزيع السلطة وتنظيمها وتداولها وضبطها.

   الاستنتاج الاخير يضعنا أمام حائط مسدود، ويفقدنا الأمل في إمكانية تطوير الحياة السياسية في الاردن التي باتت في حكم الضرورة. ولن يتغير المسار إلا في حال حدوث "القطيعة"، ما يستدعي  من جميع الاطراف مغادرة المربع الذي تقبع فيه؛ قطيعة تعبرها الاحزاب والقوى السياسية والنخب الوطنية الى فضاء جديد من الوعي والقيم والمعايير الوطنية. وقطيعة تعبرها مراكز السلطة نحو قبول  وملاحظة التطورات التي طرأت على هذا الوعي الجديد، الذي يبدد المخاوف السابقة، ويفتح المجال لتشكل حالة سياسية قادرة على بناء الدولة الحديثة وفق النموذج الديمقراطي السلمي التشاركي الذي سيؤثر ايجابا في جميع مناحي الحياة العامة.

  من المؤسف أن "القطيعة" لا تحدث بمجرد الدعوة إليها، القطائع لا تحدث، حسب ما يخبرنا التاريخ، إلا على أثر أزمة عامة، لا إمكانية لعبورها إلا بقطيعة تحدث فاصلا جوهريا بين السابق واللاحق.

  يجادل سياسي محافظ  بأن الاستراتيجية التي اتبعتها منظومة السلطة السياسية تجاه إشكالية المسألة الحزبية هي التي حافظت على الاستقرار في الاردن. هذا صحيح ولكنه استقرار في جميع جوانب الحياة العامة يصل إلى حد الثبات والجمود. وحده مؤشر المديونية العامة هو الذي يواصل الصعود ولا يعرف الاستقرار، وهو ليس مجرد مؤشر مالي إنه مؤشر اقتصادي وسياسي واجتماعي يشير الى الاختلال  في جميع جنبات الدولة. وإلى أن نصل إلى استقرار هذا المؤشر ستبقى محاولات الاصلاح السياسي في الاردن تراوح ما بين ثنائية الوعد والوعيد.

*مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن

 

 

 

  

  


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top