سلطة المثقف واشتراطات السياسي | جمال القيسي

تواصل معنا

حالة الطقس

booked.net

اتصل بنا

سلطة المثقف واشتراطات السياسي

جمال القيسي

ذات يوم ليس ببعيد قال باول يوزف غوبلز وزير (الدعاية السياسية) في حكومة هتلر: (كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي)! نستهل بهذه العبارة الصارخة الصريحة، لما تحمله من دلالات واضحة تشي بنظرة السلطة السياسية المستبدة للمثقف، وتؤكد على موقعه منها، كما تبين هذه العبارة على أي نحو تتعامل السلطة المطلقة مع (وجود المثقف)، وهي، أي العبارة، تشكل اعترافا علنيا من السياسي بالخطر المحدق المهلك الذي يشكله المثقف على كيان السياسي برمته، وتشي بحالة التأهب القصوى من السلطوي إزاء هذا الخطر!

(كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي) وثمة رواية أخرى، تذكر أن غوبلز قال: كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي! في كلا الحالين، فالعبارة تعني أن الثقافة والمثقف سلطة أخرى مناهضة (وأشد حضورا) للسلطة المكرسة على نحو استبدادي، ولكنها لا تحمل و/أو لا تصطبغ بصبغة الاستبداد، وإلا لكانت سلطة مؤازرة تشد من عضد السلطة، أو أداةَ رديفة وذراعا طولى لها. لكن العبارة وهي تمثل موقفا، لا وجهة نظر، تجزم أن المثقف نذير خطر يدفع بالسياسي السلطوي غير المنتخب إلى اتخاذ الموقف الدموي للحفاظ على كينونته ووجوده حتى لو اضطر في سبيل غايته تلك إلى إفناء المثقف.

كما تشير العبارة السالفة الذكر، إلى أن السلطة متفردة بالحكم، وتدور في أفلاك ذاتها، وتَجْبَه أي حضور المثقف، فهي منقطعة عنه، ولا تسمع غير صوت نفسها، ما يعني أن أي طرح أو اجتراح أو تنظير، هو مصدر تحد ستقاومه بالقمع وتسكته بالمسدس العادي، والكاتم للصوت! إزاء ذلك، تنبثق عدة أسئلة جديرة بالمناقشة وتظل رهن العصف وفي مقدمتها؟

 

من هو المثقف الذي يشكل حضوره إقلاقا وتهديدا للسلطة حتى إنها تبادر إلى الرد على وجوده بالإقصاء والإفناء! مع ضرورة التطرق إلى السؤال والغوص في صورة المثقف الذي يشكل هذا التحدي ويتمتع بهذه المهابة في دخيلة السياسي؟

ما تزال مفردة أو كلمة (المثقف) عصية على الاستقرار تعريفا وتنميطا وقولبة؛ فما فتئت الكلمة تنال (نمذجة) باختلاف المجتمعات التي تفرز المثقفين، وتباين أدوارهم فيها، وما تفرضه سيرورة الأحداث في أزمان تاريخية متعددة.

ويؤكد على هذا، إدغار موران في هذا الجانب؛ إذ ذهب إلى القول بتحول الثقافة وعدم ثباتها، ويؤيده في ذلك، آدم كوبر في كتابه (الثقافة: التفسير الانثروبولوجي) بالقول إنه: (رغم تعدُّد الدراسات الأكاديمية بغية تحديد معنى الثقافة، يبقي المفهوم الجاد والمحدَّد للثقافة شبه غائب. فقد تتعدَّد المعاجم المفاهيمية التي تشترك معها ثقافة مثل العلوم، الحضارة، الفنون، العادات والتقاليد وأنماط الحياة وحتى الدين عمومًا)! وفي الوقت الذي يقرر فيه رأي آخر، أن المثقف هو ابن طبقة بعينها، سواء من المفكرين والمشتغلين بالفلسفة أو الكتاب، ممن يطلق عليهم وصف أو مصطلح المثقف التنويري المبدع؛ فإن عصفا ذهنيا على جانب آخر يرى المثقف (محايثا)؛ بمعنى أن كل طبقة سواء سياسية أو دينية أو فكرية في المجتمع تنتج المثقف الخاص بها، وأعتقد أن القول بمحايثة وتموضع المثقف في كل الطبقات هو جانب يستلزمه الكثير من التدقيق؛ لأن المثقف وإن كان ابن طبقة معينة حتّمها عليه واقعه، إلا أنه لا يمكن إقحام كلمة مثقف دون تأصيل معرفي وفلسفي؛ ولكون انتماء المثقف لابد أن يكون للثقافة بمعناها الكلي، ولا ينبغي به، بل لا يليق بمكانته، الانضواء تحت أية راية، غير راية الثقافة، بشموليتها وأفقها الإنساني الرحب، الذي يتجاوز زمكانية واشتراطات السياسي (السلطوي لا الحزبي)، مهما بلغ تغوله على حضور المثقف.

وبكلمات أخرى، فإن المثقف، وفق وجهة النظر هذه، هو كيان معرفي متكامل يتجاوز الطبقات جميعها، لقيامه بالدور المطلوب منه المفترض فيه، وعندما يضطلع بواجبه الأخلاقي على هذا النحو، سيظل ابن مجتمع كامل باختلافاته وفسيفسائه، لكنه لن يكون مرتهنا لغير الثقافة، لكي يكون حقيقيا غير زائف، وإن مهمة الاضطلاع والاشتباك بهذا الدور يجب أن تظل محتدمة في وجدانه، حتى لو تعارضت قناعاته الذاتية مع واقع مجتمعه، بل حتى لو كانت تلك القناعات على النقيض من أيديولوجيته!

أعتقد أن هذا هو المثقف الذي يؤثر في محيطه، وفي مصير ومآلات الواقع؛ وهو المثقف الذي ينتصر للدور التاريخي المنوط به، المتشبث بالحوار، وقبول الآخر مهما بلغت درجة الاختلاف معه، المندغم في العمل على ترسيخ قيم الحق والخير والجمال، والتبشير بدولة العدل والإخاء والمساواة.

وكذلك لابد للمثقف وهو يؤدي هذا الدور الرسالي الجسيم أن يتمثل المصلحة الكلية للمجتمع أيضا، وأن يقف من السياسي على مسافة واضحة يحددها هو لا السياسي، المتأهب، ما أمكنه ذلك، لطي المثقف تحت جناح السلطة، ما يحتم على المثقف الصلابة بأن لا تلين له عريكة في ثوابته وضميره القيمي واحترامه لوجوده كـ سلطة موازية، غير مستبدة. وللحديث بقية.


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top