في ذكرى مولد المتنبي | المحامي الدكتور محمود عبابنة

في ذكرى مولد المتنبي

المحامي الدكتور محمود عبابنة

إذا صحت الروايات فإن هذا اليوم 27/ أيلول عام 965م ، ,وهو الموافق في ذاك العام لـ 28 رمضان/354 هـ ، يوافق ذكرى ميلاد الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي. وتأتي الأهمية أن نستذكر هذا الشاعر ليس للمنزلة الكبيرة والمكانة الخاصة التي يحتلها أبو الطيب المتنبي في تاريخ الأدب العربي، بل لأن القارئ والمتخصص يستطيع أن يستذكر صورة الحياة السياسية والاجتماعية في بداية القرن الرابع في زمن الدولة العباسية والتي تكاد أن تنطبق على حياتنا السياسية والاجتماعية في الوطن العربي. فقد عكس شاعر العربية الكبير مرآة عصره من خلال سيرة حياته وأشعاره التي ما زالت حية، فقد عاش في ظل الدولة العباسية وشهد تفكك الدولة وتقسيمها إلى عدة دويلات، ورغم أن كرسي الخليفة في بغداد بقي عربياً إلا أن السلطة تحولت إلى يد الوزراء وقادة الجيوش الأتراك ومن غير العرب، وانقسمت أراضي الدولة الى أقاليم يقف على كل منها حاكم أو سلطان، همهم جمع الأموال واقتناء الجواري والقيان والغلمان، ويعتمدون في أمنهم على العسس والجواسيس للبطش بكل صاحب رأي أو نقد ورميه بجُرم الزندقة. وفي عصره انتشرت الفتن وحركات التمرد ومنها ثورة القرامطة، كما تجرأ الروم على أراضي الدولة ولم يقف في وجههم في ذلك الوقت سوى الأمير العربي سيف الدولة الحمداني أمير حلب، الذي نظَم فيه المتنبي أجمل قصائده.

بالرغم من الحركة الثقافية التي ازدهرت في ذلك الوقت نتيجة لرواج الترجمة من اليونانية والفارسية والهندية في سماء الدولة الإسلامية، إلا أنّ الحياة الاجتماعية تأثرت بالحروب والفتن وتغوّل غير العرب على العرب وانقسم المجتمع الى طبقات، وظهرت طبقة الإقطاعيين وقادة الجند وموظفي الدواوين وكبار التُجار، الذين كانوا  يجمعون الثروات ويسومون العذاب لطبقة الشعب من المزارعين والحرفيين والخدم والعبيد.

أبو الطيب المتنبي شاعر العربية بلا منازع نظراً لروعة وغزارة انتاجه الشعري، وغلب على شِعره توظيف الأمثال السائرة والحِكم البليغة وتقديم العقل، ويبدو أنه تأثر بالفلسفة اليونانية التي تُرجمت في ذلك العهد، ومع ذلك لم يخرج من جلده العربيّ، فقد عاش باحثاً عن جاهٍ وسلطة وكان معتزاً بكبريائه ومغروراً في شعره، ومن أشعاره في هذا الخصوص:

 وما الدهر إلا من رواة قصائدي    إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

وقوله: 

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي     وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها     ويسهر الخلق جرّاها ويختصم 

لم يخرج أبو الطيب المتنبي عن السياق العام لشعراء عصره فيما يتعلق بموضوعات شعره، فقد نظم شعر المديح والهجاء، فمدح كافور وهجاه ، ومدح سيف الدولة وعاتبه، لكن بضعة أبيات في الهجاء وبيت واحد في الاعتداد في النفس أودت به الى التهلكة، فبعد أن هجا خال ضبة الأسد بقصيدة "الطرطبة" ترصد له الأخير أثناء عودته من شراز إلى بغداد وظهر له "ضبّة" ومعه ثلةٌ من الفرسان  قاطعاً طريق العودة، وقاتل أبو الطيب دفاعاً عن نفسه وولده، وعندما رأى ميزان القتال لا يميل لصالحه لوى عنق فرسه عازماً الفرار، إلا أن خادمه ذكّره ببيت الشعر القاتل وقال له ألست القائل: 

الخيل والليل والبيداء تعرفني      والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فقال له المتنبي: قتلتني يا ابن ..... ، وعاد المتنبي وقاتل حتى قُتل ، وهو على مشارف الخمسين من عمره.

 المتنبي كان شاعر عصره، وكان مغامراً متنقلاً لا يرفض العطايا ولكنه كان يروم أكثر من ذلك ليشفي غليل غروره واعتداده بنفسه، وهو القائل:

وما مقامي بأرض نخلةٍ إلا     كمقام المسيحِ بين اليهود

أنا في أمةٍ تداركها الله         غريبٌ كصالح في ثمود

وأخيراً خصال المتنبي الشخصية انعكاساً لأصوله العربية، إلا أن شعره الذي يمور بالحكمة و البلاغة والتشابيه الإبداعية، ذهبت أمثالاً يستزيد منها كُتاب العربية في ترسيخ رأيهم وقولهم وإسناداتهم، بعكس شعراء اليوم الذين يشابهونه بخصاله الشخصية لكنهم لا يقدمون لا شعراً ولا نثراً يعيش سوى مديح السلطان ونيل العطايا على طريقة "أعطه يا غلام ألف درهم".

* مقالة خاصة بموقع تنوير الأردن


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top