القبول الجامعي الجديد.. توسيع باب اللاعدالة | موفق ملكاوي

القبول الجامعي الجديد.. توسيع باب اللاعدالة

موفق ملكاوي

 

بصراحة، لم أستطع تقييم حجم المنفعة من قرار مجلس التعليم العالي أن يكون القبول الجامعي بدءا من العام المقبل معتمدا على 60 % من علامة الثانوية العامة، و40 % على امتحان قبول يقدم في الجامعات الرسمية. مبعث التشويش مرده عدم تأكدي مما إذا كان قرار كهذا من الممكن فعلا أن يحقق العدالة الغائبة عن القبول الجامعي من عقود، أم أنه سيتم من خلاله توسيع باب اللاعدالة، وفتح أبواب أخرى من الواسطة والمحسوبية والإفساد!
دعوني أحدثكم عن مخاوفي الشخصية ومخاوف الآلاف غيري من مجرد التفكير بقرار مثل هذا. نحن نعيش في مجتمع يولي أهمية خاصة للروابط البدائية، والمحاباة والمحسوبية والواسطة، وهي روابط تتعدى مفاهيميتها أسس العدالة وحكم القانون وسيادته. إن مجرد التفكير بمنح الجامعات نسبة تكاد تصل إلى النصف من قرار القبول فيها للطلبة، يفتح الباب على ممارسات سوف تظهر منذ الدورة الأولى، وذلك من خلال التداخلات في المصالح والقرائبية ودوائر التأثير، والتي لا بد أن تعمل على الإسهام في أن يكون لها يد في عمليات القبول تلك.
خطوة مثل هذه لا أظن أننا مستعدون لها اليوم، خصوصا مع غياب شبه كامل للحوكمة بأسسها الواضحة في الحكم داخل الجامعات، والاحتكام إلى المعايير القانونية وأخلاقيات العمل في المؤسسات التعليمية لدينا، فمثل هذه المعايير ما تزال غائبة، أو «فضفاضة» بشأن اختيار رؤساء الجامعات الرسمية أو إنهاء عملهم، فما بالك بشأن قبول طالب أو أكثر خلافا للوائح والقوانين؟! أظن أن أمرا كهذا سيكون احتمال حدوثه كبيرا جدا، وأكبر بكثير من احتمالات تطبيق المعايير بمهنية وشفافية واحتكام إلى الأخلاقيات.
القرار يفتح المجال أمام كثيرين ليكونوا مؤثرين في قبول الطلبة أو رفضهم، وهو أمر يوسع دائرة التأثير في عملية التعليم نفسها، بمدخلاتها ومخرجاتها، كونه يحدد الطلبة الذاهبين إلى التخصصات، وبالتأكيد فإن هناك تخصصات ذهبية سوف تكون محاولات التأثير فيها كبيرة جدا.
لكن، هل القبول الموحد بصيغته الحالية يحقق هذه العدالة؟
بالتأكيد لا. كما أنني لا أطمح في أن يفهم كلامي على أنه دفاع عن قوائم القبول الموحد بصيغتها الحالية، والتي أثبتت التجربة أنها متحيزة في كثير من جوانبها. لكن، وعلى أقل تقدير، فإن صيغة القبول الموحد اليوم تظهر بوضوح الاختلالات الموجودة فيها، والمتأسسة على «الكوتات» الكثيرة التي لم تستطع الحكومات الأردنية المتعاقبة تخليصها من الشوائب الكثيرة العالقة فيها.
إذن ما الحل؟
باعتقادي الحل يكمن اليوم بتطوير قائمة القبول الموحد، وإزالة «الكوتات» والتشوهات والانحيازات التي تم التأسيس لها في داخلها، لتصبح تنافسية على مستوى محافظات المملكة كاملة، بعيدا عن التشوهات المناطقية والقطاعية، وأن تحتكم إلى معيار المعدل فقط، لا أن يكون القبول مشفوعا باعتبارات غير تنافسية، وبالتالي غير عادلة وتلحق الغبن بالآلاف كل عام.
المشكلة الأساسية، أن قرار منح الجامعات سلطة في اختيار تخصصات الطلبة، سيكون معتمدا في الأساس على قائمة القبول الموحد المشوهة في الأصل، ما يزيد كثيرا من اتساع دائرة اللاعدالة، فبدلا من أن نختبرها في جهة واحدة، سوف نحتكم إليها من جهتين. فهل هذه هي الحلول العبقرية التي تتحفنا بها الحكومة لتطوير التعليم الجامعي ومخرجاته؟!
لكن قبل ذلك، دعونا نعترف أن القرار الأخير قفز عن مشكلة أخرى كبيرة ما نزال نتجادل حولها منذ عقود، وهي امتحان الثانوية العامة بصيغته الحالية، والذي يعتبره كثيرون غير مناسب لقياس حقيقة التحصيل الأكاديمي للطالب وليس لحفظه!
بالتأكيد نحن في حاجة ماسة إلى تطوير امتحان التوجيهي وتحسين مخرجاته لكي يكون مقياسا حقيقيا للطلبة، لكننا بدلا من ذلك نقفز عنه، ونذهب إلى معركة وهمية مع طواحين الهواء، وكأنما يئسنا من استطاعتنا فعل أي شيء تجاه تحسين مخرجات التعليم، وإعادة التعليم الأردني إلى عصره الذهبي مرة أخرى.

 


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top