الأنموذج الأردني.. وثغرة “الدفرسوار”! | موفق ملكاوي

الأنموذج الأردني.. وثغرة “الدفرسوار”!

موفق ملكاوي

 

في منتصف آذار الماضي، كان كل شيء يبدو مثاليا. الحكومة ظهرت كما لو أنها فريق متجانس، تعمل ضمن رؤية واضحة، وتمسك بجميع الخيوط على الساحة المحلية. الأمور كانت تسير بشكل سلس، فيما هي تكسب النقاط وتزيد من شعبيتها.
حتى حين فرضت الحكومة قانون الدفاع، وقررت الحظر الشامل لأسابيع طويلة، كانت هناك قناعة لدى شريحة كبيرة أن المصلحة الوطنية تستدعي مثل هذه الإجراءات الصارمة. قطاعات كثيرة أبدت تململها من قرارات الدفاع، التي بررتها الحكومة بأنها جاءت لحماية العمال والقطاعات الاقتصادية، وتبين فيما بعد أنها لم تصنع فرقا كبيرا في هذا السياق. ومع ذلك، سارت الأمور بشكل جيد إلى حد ما.
كانت السيطرة على انتشار الوباء واحدة من الوجوه الأكثر وضوحا في نجاح الأنموذج الأردني، خصوصا مع مقدرة على إدامة خطوط التزويد التي تكفل بغالبيتها قطاعنا الزراعي الذهبي. كان كل شيء يشير إلى أن الاردن يقدم أنموذجا متقدما في إدارة أزمته مع الجائحة، رغم العبء الكبير الذي كان يضغط بشدة على المالية العامة.
ما الذي حصل، إذن، لنختبر كل هذا التحول الدراماتيكي في سياق أزمتنا مع كورونا، ولماذا تراجعت قدرة الحكومة على اجتراح سياسات جديدة للمواجه؟
في سياق التفكير بالوقائع والأحداث التي جرّتنا إلى هذا التبدل الكبير، وهدم الأنموذج الأردني الذي كنا نبنيه أمام العالم كله، تحضرني حادثة قاسية في التاريخ العربي الحديث، اصطلح على تسميتها “ثغرة الدفرسوار”، وهي التي حدثت على الجبهة المصرية إبان حرب أكتوبر في العام 1973. لقد غيرت تلك الثغرة مآلات حرب كاملة، فبعدما كان الجيش المصري متقدما بخطوات واسعة على العدو الصهيوني، أدى أمر من القيادة المصرية بتقدم قطاعات عسكرية وتوسيع ساحة المعركة إلى خلط الأوراق. باختصار أدى تدخل السياسي بالعسكري إلى انقلاب المعركة، فاستغل العدو هذه الثغرة وحاصر الجيش الثالث المصري الذي فقد مظلته بالحماية الجوية، لتنتهي الحرب إلى ما انتهت إليه.
هل تُعلمنا هذه الحادثة شيئا مهما يمكن قياسه على ما جرى لدينا في مواجهة الوباء؟!
بالتأكيد، فالخلل واحد، وهو التدخل السياسي في الأمور الفنية والإجرائية التي كان من المفترض أن يقودها فنيون بعيدون عن أي اعتبارات سياسية .
إذا كانت “ثغرة الدفرسوار” الأوضح الخاصة بنا هي فتح الحدود البرية، والتغافل عن تطبيق سياسات وإجراءات صارمة في التعامل مع الداخلين منها، فإن الاعتبارات السياسية للقرارات التي يفترض أن تكون فنية خالصة، مثلت، أيضا، ثغرة أخرى خطيرة، ومزيدا من هدم الأنموذج الذي تم بناؤه بشكل صحيح في بداياته.
في ملفات كثيرة، بدت الحكومة غير مقنعة بأن قراراتها فنية بحتة، خصوصا مع قرارات كانت تتعارض مع بعضها بعضا، مثل السماح بعودة الطلبة إلى مدارسهم في ظل ارتفاع الإصابات، بينما تطبق حظرا شاملا خلال أيام على مدن معينة، أو السماح بالانتخابات الداخلية للعشائر، وفي الجهة الثانية تمنع فتح القطاعات بعد ساعة معينة، وإقرار إجراء الانتخابات النيابية في جميع المملكة، فيما تمنع تجمعات المعلمين المحتجين، ولا تسمح بإجراء انتخابات النقابات، بدعوى أنها تشكل خطورة كبيرة وبؤرا محتملة لانتقال العدوى.
عندما ننظر إلى قرارات متضاربة وغير موضوعية كهذه، سوف نلمح البعد السياسي فيها، والذي يجيء على حساب الرأي العلمي والفني البحت، وهي القرارات التي اتخذتها الحكومة تحت ضغوطات متنوعة، إلا أنها في جميعها كانت تفتقر إلى الإقناع.
اليوم، تعود الحكومة لكي تعاني تآكل شعبيتها التي كسبتها لوقت قصير خلال بدايات الأزمة، ولم تعد عبارات مثل “كل مرّ سيمرّ”، أو “الباقي تفاصيل” تقنع المواطن بأنه محور عمل الحكومة، بعدما رأى تخبطها الكبير في قراراتها، التي أنشأت فيها “ثغرة الدفرسوار” الخاصة بها.. ووقعت فيها عن سابق إصرار وتصميم.​


تعليقات (0)

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


جميع الحقوق محفوظة 2020 موقع تنوير الأردن | تطوير برافو Bravo

Back to Top